تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخرج الإمام أحمد والبخاري في كتاب التوحيد تعليقاً عن عائشة قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا .. ﴾ الآية".

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ "قد" لا تدخل إِلا على الأفعال، وإِذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق، وإِذا دخلت على المضارع أفادت التقليل كقولك: قد يجودُ البخيلُ، وقد ينزل المطر والمعنى: حقاً لقد سمع الله قول المرأة التي تراجعك وتحاورك في شأن زوجها قال الزمخشري: ومعنى سماعه تعالى لقولها إِجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع اللهُ لمن حمده ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي وتتضرع إِلى الله تعالى في تفريج كربتها ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ أي والله جل وعلا يسمع حديثكما ومراجعتكما الكلام، ماذا قالت لك وماذا رددت عليها ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع بمن يناجيه ويتضرع إِليه، بصير بأعمال العباد، وهو كالتعليل لما قبله، وكلاهما من صيغ المبالغة أي مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات .. ثم ذمَّ تعالى الظهار وبيَّن حكمه وجزاء فاعله فقال ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ أي الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا يقصدون بذلك تحريمهن عليهم كتحريم أمهاتهن، لسن في الحقيقة أمهاتهم وإِنما هنَّ زوجاتهم قال الإِمام الفخر الرازي: الظهار هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، يقصد عُلُوّي عليك حرامٌ كعلوي على أمي، والعربُ تقول في الطلاق: نزلتُ عن امرأتي أي طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتها تشبيهاً بالأم وقوله: ﴿منكم﴾ توبيخٌ للعرب وتهجينٌ لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصةً دون سائر الأمم ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي ما أمهاتهم في الحقيقة إلا الوالدات اللاتي ولدنهم من بطونهن وفي المثل "ولدك من دمَّى عقبيك" وهو تأكيد لقوله ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ زيادة في التوضيح والبيان ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أي والحال أِن هؤلاء المظاهرين ليقولون كلاماً منكراً تنكره الحقيقة وينكره الشرع، وهو كذبٌ وزورٌ وبهتان ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي مبالغ في العفو والمغفرة لمن تاب وأناب قال ابن جزي: أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور، فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور هو الكذب، وإِنما جعله كذباً لأن المظاهر يجعل امرأته كأمه، وهي لا تصير كذلك أبداً والظهار محرم ويدل على تحريمه أربعة أشياء: أحدها: قوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ فإِن ذلك تكذيب للمظاهر والثاني: أنه سمَّاه منكراً والثالث: أنه سماه زوراً والرابع: قوله تعالى ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ فإِنَّ العفو والمغفرة لا تقع إِلا عن ذنب، والذنب مع ذلك لازمٌ للمظاهر حتى يرفعه بالكفارة .. ثم بيَّن تعالى طريق الكفارة عن هذا القول الشنيع فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي يظاهرون من زوجاتهم بتشبيههنَّ بالأمهات ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي يعودون عمَّا قالوا، ويندمون على ما فرط منهم، ويرغبون في إِعادة أزواجهم إِليهم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أي فعليهم إِعتاقُ رقبةٍ - عبداً كان أو أمةً - من قبل أن يعاشر زوجته التي ظاهر منها أو يجامعها، والتَّماسُّ كنايةٌ عن الجماع ودواعيه من التقبيل واللمس عند الجمهور قال

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦١٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦١٩٤