المجاهدين في سبيل الله، والصابرين على مشاقّ الجهاد ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ أي ونختبر أعمالكم حسنها وقبيحها، قال في التسهيل: المراد بقوله ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي نعلمه علماً ظاهراً في الوجود تقوم به الحجة عليكم، وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إِقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم، وكان الفضيل بن عياض إِذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلنا فإِنك إِذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.
حال الصادين عن سبيل الله، والأمر بطاعته عز وجل
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (32):
﴿إن الذين كفروا وصدوا .. لن يضروا الله﴾ قال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر.
نزول الآية (33):
﴿يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله﴾ خطاب للمؤمنين بلزوم الطاعة في أوامر الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته. أخرج ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: ﴿أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
نزول الآية (34):
﴿إن الذين كفروا وصدوا .. فلن يغفر الله لهم﴾ نزلت في أصحاب القليب أي قليب بدر، حيث ألقي قتلة المشركين في بئر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي جحدوا بآيات الله ومنعوا الناس عن الدخول في الإِسلام ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى﴾ أي عادوا الرسول وخرجوا عن طاعته من بعد ما ظهر لهم صدقُه وأنه رسول الله بالحجج والآيات ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي لن يضروا الله بكفرهم وصدّهم شيئاً من الضرر، وسيبطل أعمالهم من صدقة ونحوها فلا يرون لها في الآخرة ثواباً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي امتثلوا أوامر الله وأوامر رسوله ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ أي ولا تُبطلوا أعمالكم بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، والعُجب والرياء ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي جحدوا بآيات الله وصدُّوا الناس عن طريق الهدى والإِيمان ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي وماتوا على الكفر ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي فلن يغفر الله لهم بحالٍ من الأحوال، وهذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر اللهُ له لقوله تعالى ﴿إِنَّ الله لا يغفر أن يُشرك به﴾ قال أبو السعود: وهذا حكم يعم كل من مات على الكفر، وإِن صحَّ نزوله في أصحاب القليب ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي فلا تضعفوا وتدعوا إِلى المهادنة والصلح مع