وما بينهما من عجائب المصنوعات، وبدائع المخلوقات، ثم كلفهم بالإِيمان والطاعة، فآمن البعض وكفر البعض، فلا بدَّ إذاً من دار جزاء يثاب فيها المحسن، ويعاقب فيها المسيء، لتجزى كل نفسٍ بما كسبت، ولو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق لهواً وعبثاً، وتنزَّه الله عن ذلك.
أهوال يوم القيامة، وجزاء الكفار
﴿إنَّ يوم الفصل ميقاتُهم أجمعين (40) يومَ لا يُغني مَّولىً عن مَّولى شيئاً ولا هم يُنصرون (41) إلاَّ من رَّحم اللهُ إِنَّه هو العزيز الرَّحيم (42) إنَّ شجرتَ الزَّقُّوم (43) طعامُ الأثيم (44) كالمُهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) خذوه فاعْتلُوه إلى سواءِ الجحيم (47) ثمَّ صبُّوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذقْ إِنَّكَ أنتَ العزيزُ الكريم (49) إنَّ هذا ما كنتم بهِ تمْترون (50)﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (43) وما بعدها:
﴿إن شجرة﴾: أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال: إن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزُّبْد، فيقول: تزقموا، فهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد، فنزلت: ﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم .. ﴾.
نزول الآية (49):
﴿ذق إنك .. ﴾: أخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: "لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك: "أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى" فنزع يدهمن يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، لقد علمتَ أني أمْنَعُ أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر، وأذله وعيَّره بكلمته، ونزل فيه: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ ".
ولهذا قال بعده ﴿إنَّ يوم الفصل ميقاتُهم أجمعين﴾ أي إن يوم القيامة موعد حساب الخلائق أجمعين، سُمي ﴿يوم الفصل﴾ لأن الله تعالى يفصل فيه بين الخلق كما قال تعالى ﴿يوم القيامة يفصل بينكم﴾ ﴿يومَ لا يُغني مولىً عن مولىً شيئاً ولا هم يُنصرون﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب، لا يدفع قريب عن قريبه، ولا صديقٌ عن صديقه، ولا ينفع أحدٌ أحداً ولا ينصره ولو كان قريبه كقوله ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والدٌ عن ولده، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً﴾ ﴿إلاَّ من رحم اللهُ﴾ استثناء متصل أي لا يغني قريبٌ عن قريب إلا المؤمنين فإِنه يُؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض، وقيل: منقطع أي لكنْ من رحمه اللهُ فإِنه يشفع وينفع، قال ابن عباس: يريد المؤمن فإِنه تشفع له الأنبياء والملائكة ﴿إِنه هو العزيز الرحيم﴾ أي هو المنتقم من أعدائه، الرحيمُ بأوليائه .. ولما ذكر الأدلة على القيامة، أردفه بوصف ذلك اليوم العصيب، فذكر وعيد الكفار أولاً ثم وعد الأبرار ثانياً للجمع بين الترهيب والترغيب فقال ﴿إنَّ شجرتَ الزقوم طعامُ الأثيم﴾ أي إن هذه الشجرة الخبيثة - شجرة الزقوم - التي تنبتُ في أصل الجحيم، طعام كل فاجر، ليس له طعام غيرها، قال أبو حيان: الأثيمُ صفة مبالغة وهو الكثير الآثام، وفُسِّر بالمشرك ﴿كالمُهل يغلي في البطون﴾ أي هي في شناعتها وفظاعتها إذا أكلها الإِنسان كالنحاس المذاب الذي تناهى حرُّه، فهو يُجرجر في البطن ﴿كغلي الحميم﴾ أي كغليان الماء الشديد الحرارة،