﴿وَمَنْ أَحْسَنُ .. ﴾: قال ابن عباس: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا إلى الإسلام، وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نِحْلة: وقال أيضاً: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نزول الآية (34):
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ .. ﴾: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوّاً مؤذياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار ولياً مصافياً.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي دعا إلى توحيد الله وطاعته، بقوله وفعله وحاله، وفعل الصالحات، وجعل الإِسلام دينه ومذهبه، قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير وهو في نفسه مهتدٍ، وقال الزمخشري: والآية عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون مؤمناً معتقداً لدين الإِسلام، عاملاً بالخير، داعياً إليه، وما هم إلا طبقة العلماء العاملين ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ أي لا يتساوى فعل الحسنة مع فعل السيئة، بل بينهما فرقٌ عظيم في الجزاء وحسن العاقبة ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن، مثل أن تدفع الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإِساءة بالعفو، قال ابن عباس: ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أي فإِذا فعلت ذلك صار عدوك كالصديق القريب، الخالص الصداقة في مودته ومحبته لك ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي وما ينال هذه المنزلة الرفيعة، والخصلة الحميدة، إلاّ من جاهد نفسه بكظم الغيظ واحتمال الأذى ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي وما يصل إليها وينالها إلا ذو نصيب وافر من السعادة والخير ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي وإن وسوس إليك الشيطان بترك ما أُمرت به من الدفع بالتي هي أحسن، وأراد أن يحملك على البطش والانتقام، فاستعذ بالله من كيده وشره ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي هو السميع لأقوال العباد، العليم بأفعالهم وأحوالهم.
دلائل قدرته الباهرة وحكمته البالغة
﴿وَمِنْ ءاياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ ءاياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)﴾
ثم ذكر تعالى دلائل قدرته الباهرة، وحكمته البالغة فقال ﴿وَمِنْ ءاياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي ومن علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته تعاقب الليل والنهار، وتذليل الشمس والقمر، مسخَّرين لمصالح البشر ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ أي لا تسجدوا للمخلوق واسجدوا للخالق، الذي خلق هذه الأشياء وأبدعها ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي إن كنتم تفردونه بالعبادة فلا تسجدوا لأحدٍ سواه ﴿فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي فإِن استكبر الكفار عن السجود لله ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي فالملائكة الأبرار يعبدونه بالليل والنهار ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ أي لا يملّون عبادته.