تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في البدن، فقد كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يقوم نصف الليل ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كثير الرجوع والإِنابة إلى الله، والأوَّابُ: الرجَّاع إلى الله، قال أبو حيان: لما كانت مقالة المشركين تقتضي الاستخفاف بالدين، أمر تعالى نبيه بالصبر على أذاهم، وذكر قصصاً للأنبياء "داود، وسليمان، وأيوب" وغيرهم، وما عرض لهم فصبروا حتى فرج الله عنهم، وصارت عاقبتُهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر ويؤول أمرك إلى أحسن مآل ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ أي سخرنا الجبال لداود تسبح معه في المساء والصباح، وتسبيحُ الجبال حقيقةٌ وكان معجزةً لداود عليه السلام كما قال تعالى ﴿يا جبالُ أوّبي معه والطير﴾ ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي وسخرنا له الطير مجموعة إليه تسبح معه، كلٌ من الجبال والطير رجَّاع إلى طاعته تعالى بالتسبيح والتقديس، قال ابن كثير: كانت الطير تسبّح بتسبيحه وترجّع بترجيعه، إذا مرَّ به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه يترنم بقراءة الزبور يقف في الهواء ويسبّح معه، وكذلك الجبال الشامخات كانت تُرجّع معه وتسبّح تبعاً له، قال قتادة: ﴿أَوَّابٌ﴾ أي مطيع ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي قوينا ملكه وثبتناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي أعطيناه النبوَّة والفهم والإِصابة في الأمور ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أي الكلام البيِّن الذي يفهمه من يُخاطب به، قال مجاهد: يعني إصابة القضاء وفهمه، وقال القرطبي: البيان الفاصل بين الحق والباطل، قال المفسرون: كان مُلك داود قوياً عزيزاً، وكان يسوسه بالحكمة والحزم معاً، ويقطع ويجزم برأيٍ لا تردد فيه مع الحكمة والقوة، وذلك غاية الكمال في الحكم والسلطان ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ هذا الاستفهام للتعجيب وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه كما تقول لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد تشويقه لسماع كلامك، والمعنى هل أتاك يا محمد خبر الجماعة المتنازعين الذي تسوَّروا على دواد مسجده في وقت اشتغاله بالعبادة والطاعة؟ ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ أي حين دخلوا عليه من أعلى السور فخاف وارتعد منهم، قال المفسرون: وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه بغير إذن، ودخلوا من غير الباب، في وقت كان قد خصصه للعبادة ﴿قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ أي لا تخف منا فنحن فوجان مختصمان تعدَّى بعضنا على بعض ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ أي فاحكم بيننا بالعدل، ولا تجر ولا تظلم في الحكم ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي وأرشدنا إلى وسط الطريق يعني إِلى الطريق الحق الواضح ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ هذه بداية قصة الخصمين أي قال أحدهما: إن صاحبي هذا يملك تسعة وتسعين نعجة -وهي أنثى الضأن- وأملك أنا نعجة واحدة، قال المفسرون: وقد يكنى بها عن المرأة فيكون الغرض أن عنده تسعاً وتسعين امرأةً وعندي امرأة واحدة ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي ملكنِها واجعلها تحت كفالتي ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني في الخصومة، وشدَّد عليَّ في القول وأغلظ ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ أي قال له داود لقد ظلمك بهذا الطلب حين أراد انتزاع نعجتك منك ليكمل ما عنده إلى مائة ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي وإن الكثيرين من الشركاء ليتعدى بعضُهم على بعض ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ أي إلا المؤمنين الذين يعملون الصالحات فإنهم لا يبغون وهم قليل {وَظنَّ دَاوُدُ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٩٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٩٧٤