تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ﴾ أي إِنكم أيها المجرمون لمعذبون أشد العذاب ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا تُعاقبون إلا جزاء مثل عملكم، قال الصاوي: لأن الشر يكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة .. ولمّا ذكر شيئاً من أحوال الكفار وعذابهم، ذكر شيئاً من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن في الموازنة بين الفريقين ترغيباً وترهيباً فقال ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الاستثناء منقطع أي لكن عباد الله المُخلَصين الموحدين، فإِنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، يُجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف .. ثم أخبر عن جزائهم فقال ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم في الجنة صباحاً ومساءً كما قال تعالى ﴿ولهم رزقُهم فيها بكرةً وعشياً﴾ وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي فواكهُ متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معزَّزون مكرَّمون، وخصَّ الفواكه بالذكر لأن كل ما يُؤكل في الجنة إِنما هو على سبيل التفكه والتلذذ ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي في رياضٍ وبساتين يتنعمون فيها ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ أي على أسرَّة مكلَّلة بالدر والياقوت، تدور بهم كيف شاؤوا، قال مجاهد: ﴿مُتَقَابِلِين﴾ أي لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض تواصلاً وتحابباً ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة بكأسٍ من الخمر من نهر جارٍ خارج من عيون الجنة، قال الصاوي: وصف به خمر الجنة لأنه يجري كالماء النابع، وقال ابن عباس: كل كأسٍ في القرآن فهي الخمر، والمعين هي الجارية ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي هذه الخمر بيضاء ذات لذةً للشاربين، يلتذ بها من شربها، قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل خمر الدنيا، قال ابن كثير: نزَّه الله سبحانه خمر الجنة التي هي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صُداع الرأس قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشُّرَّاب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خُمار يصدع الرؤوس، ولا سكر ولا عربدة يُذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم حياءً وعفةً، قال ابن عباس: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن ﴿عِينٌ﴾ أي وهنَّ مع العفة واسعات جميلات العيون، قال الطبري: أي نُجل العيون جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع الحسن والجمال، وهي أحسن ما تكون من العيون ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ أي كأنهن اللؤلؤ المكنون في أصدافه، قاله ابن عباس واستشهد بقوله تعالى ﴿وحورٌ عينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ وقال الحسن: ﴿المكنون﴾ المصون الذي لم تمسَّه الأيدي .. والغرضُ أنهنَّ مع هذا الجمال الباهر، مصونات كالدُّر في أصدافه، مع رقةٍ ولطفٍ ونعومة ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ لا تبتذله الأيدي ولا العيون، والعربُ تشبّه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها، قال أبو حيان: ذكر تعالى في هذه الآيات أولاً الرزق وهو ما تتلذذ به

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٩٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٩٥٨