وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾: أخرج ابن سعد عن عكرمة في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ الآية قال: نزلت في أم شريك الدوسية. وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدؤلي أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جميلة، فقبلها، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك، فسماها الله مؤمنة، فقال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ فلما نزلت هذه الآية، قالت عائشة: إن الله يسارع لك في هواك.
نزول الآية (51):
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾: أخرج الشيخان عن عائشة: أنها كانت تقول: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها فأنزل الله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية، فقالت عائشة: أرى ربك يسارع لك في هواك.
نزول الآية (52):
﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾: أخرج ابن سعد عن عكرمة قال: لما خيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه اخترن الله ورسوله، فأنزل الله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾.
ثم ذكر تعالى ما يتعلق بأحوال زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي إنا قد أبحنا لك يا محمد عدداً من النساء، توسعة عليك وتيسيراً لك في تبليغ الدعوة، فمن ذلك أننا أبحنا لك زوجاتك اللاتي تزوجتهن بصداقٍ مُسمَّى، وهُنَّ في عصمتك ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي وأبحنا لك أيضاً النساء اللاتي يملكن في الحرب بطريق الانتصار على الكفار، وإنما قيَّدهن بطريق الغنائم لأنهن أفضلُ من اللائي يُمْلكهن بالشراء، فقد بدل في إحرازهنَّ جهدٌ ومشقة لم يكن في الصنف الثاني ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي وأبحنا لك قريباتك من بنات الأعمام والعمات، والأخوال والخالات بشرط الهجرة معك ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي وأحللنا لك النساء المؤمناتِ الصالحات اللواتي وهبن أنفسهن لك، حباً في الله ورسوله وتقرباً لك ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ أي إن أردت يا محمد أن تتزوج من شئت منهن بدون مهر ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أيخاصة لك يا محمد دون سائر المؤمنين، فإنه لا يحل لهم التزوج بدون مهر، ولا تصح الهبة، بل يجب مهر المثل ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي قد علمنا ما أوجبنا على المؤمنين من نفقةٍ، ومهر، وشهود في العقد، وعدم تجاوز أربع من النساء، وما أبحنا لهم من ملك اليمين عدا الحرائر، وأما أنت فقد خصصناك بخصائص تيسيراً لك ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي لئلا يكون عليك مشقة أو ضيق ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي عظيم المغفرة واسع الرحمة ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي ولك-أيها النبي-الخيار في أن تطلق من تشاء من زوجاتك، وتمسك من تشاء منهن ﴿وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي وإذا أحببتَ أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتَ من القسمة فلا إثم عليك ولا عتب ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْينُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي ذلك التخيير الذي خيرناك