تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقلت: تبارك الله أحسن الخالقين. ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ أي خلق أبا البشر آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أي جعل ذريته يتناسلون من خلاصة من ماءٍ ضعيف حقير هو المنيُّ ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أي قوَّم أعضاءه، وعدَّل خلقته في رحم أُمه، ونفخ بعد ذلك فيه الروح، فإِذا هو في أكمل صورةٍ وأحسن تقويم، قال أبو السعود: وأضاف الروح إِليه تعالى تشريفاً للإِنسان، وإِيذاناً بأنه خلقٌ عجيب، وصنعٌ بديع، وأن له شأناً جليلةً مناسبةً إِلى حضرة الربوبية ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ أي وخلق لكم هذه الحواس: السمع لتسمعوا به الأصوات، والبصر لتبصروا به الأشخاص، والعقل لتدركوا به الحق والهدى ﴿قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي إنّ شكركم لنعم ربكم لقليل و ﴿مَا﴾ لتأكيد القلة.

إثبات البعث، ووصف الكفار يوم القيامة

﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)﴾.

﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ أي وقال كفار مكة المنكرون للبعث والنشور: أئذا هلكنا وصارت عظامنا ولحومنا تراباً مختلطاً بتراب الأرض حتى غابت فيه ولم تتميز عنه ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي سوف نخلق بعد ذلك خلقاً جديداً، ونعود إِلى الحياة مرةً ثانية؟ وهو استبعادٌ للبعث مع الاستهزاء ولهذا قال تعالى ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي بل هناك ما هو أبلغ وأشنع من الاستهزاء، وهو كفرهم وجحودهم بلقاء الله في دار الجزاء ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِالَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي قل لهم رداً على مزاعمهم الباطلة: يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بقبض أرواحكم هو وأعوانه ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي ثم مرجعكم إِلى الله يوم القيامة للحساب والجزاء، قال ابن كثير: والظاهر أنَّ ملك الموت شخص معين، وقد سُمي في بعض الآثار بـ "عزرائيل" وهو المشهور، وله أعوان -كما ورد في الحديث- ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إِذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت وقال مجاهد: جُمِعت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء، ثم أخبر تعالى بحال المجرمين يوم القيامة وما هم فيه من الذل والهوان فقال ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي ولو ترى أيها المخاطب حال المجرمين يوم القيامة وهم مطرقو رءوسهم أمام ربهم من الخجل والحياء لرأيت العجب العجاب، قال أبو السعود: وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ تقديره لرأيت أمراً فظيعاً لا يُقادر قدره من هوله وفظاعته ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي يقولون ربنا أبصرنا حقيقة الأمر وسمعنا ما كنا ننكر من أمر الرسل، وكنا عُمياً وصُماً ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ أي فردنا إِلى دار الدنيا لنعمل صالحاً ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي فنحن الآن مصدقون تصديقاً جازماً، وموقنون أن وعدك حق، ولقاءك حق، قال الطبري: أي أيقنا الآن بوحدانيتك، وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون رب سواك، وأنك تحيي وتميت وتفعل ما تشاء، قال تعالى رداً عليهم {وَلَوْ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٨٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٨٧٨