سبب النزول:
أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبَّيْكَ اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملَك، فأنزل الله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
ثم وضّح تعالى بطلان عبادتهم للأوثان بمثل فقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي ضرب لكم أيها القوم ربكم مثلاً واقعياً من أنفسكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي هل يرضى أحدكم أن يكون عبده ومملوكه شريكاً له في ماله الذي رزقه الله تعالى؟ فإِذا لم يرض أحدكم لنفسه ذلك فكيف ترضون لله شريكاً له وهو في الأصل مخلوق وعبدٌ لله؟ ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ هذا من تتمة المثل أي لستم وعبيدكم سواءٌ في أموالكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، وأنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في أموالكم، فكيف رضيتم لله شريكاً في خلقه وملكه؟ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي مثل ذلك البيان الواضح نبيّن الآيات لقومٍ يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال ﴿بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بلْ للإِضراب أي ليس لهم حجة ولامعذرة في إِشراكهم بالله بل ذلك بمجرد هوى النفس بغير علم ولا برهان، قال القرطبي: لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها، وتقليد الأسلاف في ذلك ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد الله إِضلاله ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي ليس لهم من عذاب الله منقذٌ ولا ناصرٌ.
الأمر باتباع الدين الحق: الإسلام:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي أخلص دينك لله وأقبل على الإِسلام بهمة ونشاط ﴿حَنِيفًا﴾ أي مائلاً عن كل دين باطل إلى الدين الحق وهو الإِسلام ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي هذا الدين الحق الذي أمرناك بالاستقامة عليه هو خلقة الله التي خلق الناس عليها وهو فطرة التوحيد كما في الحديث (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه) الحديث ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي لا تغيير لتلك الفطرة السليمة من جهته تعالى، قال ابن الجوزي: لفظه لفظ النفي ومعناه النهي أي لا تبدلوا خلق الله فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي ذلك هو الدين المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي أكثر الناس جهلة لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي أقيموا وجوهكم أيها الناس على الدين الحق حال كونكم منيبين إِلى ربكم أي راجعين إِليه بالتوبة وإِخلاص العمل، وخافوه وراقبوه في أقوالكم وأفعالكم، وأقيموا الصلاة على الوجه الذي يُرضي الله ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي ولا تكونوا ممن أشرك بالله وعبد غيره ثم فسَّرهم بقوله ﴿مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي من الذين اختلفوا في دينهم وغيّروه وبدَّلوه فأصبحوا شيعاً وأحزاباً، كلٌ يتعصب لدينه، وكلٌ يعبد هواه {كُلُّ