به لما رأى من الآيات الباهرة ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي وقال الخليل إبراهيم، إني تاركٌ وطني ومهاجر من بلدي رغبة في رضى الله قال المفسرون: هاجر من سواد العراق إلى فلسطين والشام ابتغاء إظهار الدين والتمكن من نشره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي هو العزيز الذي لا يذل من اعتمد عليه، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي وهبنا لإبراهيم -لما فارق قومه في الله- ولداً صالحاً هو إسحاق وولد ولدٍ وهو يعقوب بن إسحاق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ أي خصصناه بهذا الفضل العظيم حيث جعلنا كل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، وجعلنا الكتب السماوية نازلةً على الأنبياء من بنيه قال ابن كثير: وهذه خصلة سنية عظيمة مع اتخاذ الله إياه خليلاً، وجعله إماماً للناس، أن جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبيٌ بعد إبراهيم إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إِسرائيل من سلالة ولده "يعقوب" ولم يوجد نبي من سلالة "إِسماعيل" سوى النبي العربي عليه أفضل الصلاة والتسليم ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي وتركنا له الثناء الحسن في جميع الأديان ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ﴾ أي وهو في الآخرة في عداد الكاملين في الصلاح، وهذا ثناءٌ عظيم على أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
قصة لوط عليه السلام مع قومه
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)﴾.
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ أي واذكر رسولنا لوطاً عليه السلام حين قال لقومه ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي إنكم يا معشر القوم لترتكبون الفعلة المتناهية في القبح ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي لم يسبقكم بهذه الشنيعة، والفعلة القبيحة -وهي اللواطة- أحدٌ من الخلق، ثم فسر تلك الشنيعة فقال ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ أي إنكم لتأتون الذكور في الأدبار وذلك منتهى القذارة والخسَّة قال المفسرون: لم يقدم أحد قبلهم عليها اشمئزازاً منها في طباعهم لإفراط قبحها حتى أقدم عليها قوم لوط، ولم ينزل ذكرٌ على ذكر قبل قوم لوط ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي وتقطعون الطريق على المارة بالقتل وأخذ المال، وكانوا قطاع الطريق قال ابن كثير: كانوا يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ﴾ أي وتفعلون في مجلسكم ومنتداكم ما لا يليق من أنواع المنكرات علناً وجهاراً، أما كفاكم قبحُ فعلكم حتى ضممتم إِليه قبح الإِظهار!؟ قال مجاهد: كانوا يأتون الذكور أمام الملأ يرى بعضهم بعضاً، وقال ابن عباس: كانوا يحذفون بالحصى من مرَّ بهم مع الفحش في المزاح، وحل الإِزار، والصفير وغير ذلك من القبائح ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ أي فما كان ردُّ