تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصابر، وخسَّة المنافق الكافر، فقال هناك: أُوذي المؤمن في سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه، وكان يمكنه أن يظهر موافقتهم ويكون قلبه مطمئناً بالإيمان، ومع هذا لم يفعله بل ترك الله بالكلية ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي ولئن جاء نصر قريب للمؤمنين، وفتح ومغانم قال أولئك المذبذبون: إنا كنا معكم ننصركم على أعدائكم، فقاسمونا فيما حصل لكم من الغنائم قال تعالى رداً عليهم ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾؟ استفهام تقرير أي أوليس الله هو العالم بما انطوت عليه الضمائر من خير وشر، وبما في قلوب الناس من إيمان ونفاق؟ بلى إنه بكل شيء عليم، ثم أكد ذلك بقوله ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ أي وليُظهرنَّ الله لعباده حال المؤمنين وحال المنافقين حتى يتميزوا فيفتضح المنافق، ويظهر شرف المؤمن الصادق قال المفسرون: والمراد ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ إظهار علمه للناس حتى يصبح معلوماً لديهم، وإلا فالله عالم بما كان، وما يكون، وما هو كائن لا تخفى عليه خافية، فهو إذاً علمُ إظهار وإبداء، لا علمُ غيبٍ وخفاء بالنسبة لله تعالى، وقد فسَّر ابن عباس العلم بمعنى الرؤية ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي قال الكفار للمؤمنين اكفروا كما كفرنا، واتَّبعوا ديننا ونحن نحمل عنكم الإثم والعقاب، إن كان هناك عقاب قال ابن كثير: كما يقول القائل: افعلْ هذا وخطيئتك في عنقي، فإن قيل ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ صيغة أمر، فكيف يصح أمر النفس من الشخص؟ فنقول: الصيغةُ أمرٌ والمعنى شرطٌ وجزاء أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي وما هم حاملين شيئاً من خطاياهم، لأنه لا يحمل أحدُ وزر أحد ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي وإنهم لكاذبون في ذلك، ثم قال تعالى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي وليحملُنَّ أوزارهم وأوزار من أضلوهم دون أن ينقص من أوزار أولئك شيء كما في الحديث (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه

من الإثم مثل آثام من اتبّعه من غير أن يَنْقص من آثامهم شيء) ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي وليسألنَّ سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي عما كانوا يختلقونه من الكذب على الله عز وجل.

قصة نوح عليه السلام

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)﴾.

ثم ذكر تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قصة نوح تسليةً له عما يلقاه من أذى المشركين فقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ أي ولقد بعثنا نوحاً إلى قومه فمكث فيهم تسعمائة وخمسين سنة يدعوهم إلى توحيد الله جلّ وعلا، وكانوا عبدة أصنام فكذبوه ﴿فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي فأهلكهم الله بالطوفان وهم مصرّون على الكفر والضلال قال أبو السعود: والطوفان: كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة، من السيل والريح والظلام، وقد غلب على طوفان الماءقال الرازي: وفيقوله ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ إشارة إلى لطيفة، وهي أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم، وإنما يعذب على الإصرار على الظلم ولهذا قال ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ يعني أهلكهم وهم على ظلمهم ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ أي

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٨٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٨٤١