تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن أناساً من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن نتبعك تخطفنا الناس، فنزلت.

وأخرج النسائي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن عامر بن نوفل بن عبد مناف هو الذي قال ذلك، وعبارته -كما في البيضاوي-: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن تبعناك وخالفنا العرب - وإنما نحن أكلة الرأس، أي قليلو العدد -أن يتخطفونا من أرضنا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ﴾ الآية.

نزول الآية (61):

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾: أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾ الآية، قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل بن هشام. وأخرج من وجه آخر عنه: أنها نزلت في حمزة وأبي جهل.

ثم قال تعالى مخاطباً رسوله ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي إنك يا محمد لا تقدر على هداية أحد، مهما بذلت فيه من مجهود، وجاوزت في السعي كل حدٍّ معهود ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي ولكنه تعالى بقدرته يهدي من قدر له الهداية، فسلم أمرك إليه فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاوة ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي هو تعالى العالم بمن فيه استعداد للهداية والإيمان فيهديه قال المفسرون: نزلت في عمه "أبي طالب" حين عرض عليه الإِسلام عند موته فأبى قال أبو حيان: ومعنى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي لا تقدر على خلق الهداية فيه، ثم قال: ولا تنافي بين هذا وبين قوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لأن معنى هذا: وإنك لترشد، وقد أجمع المسلمون على أنها نزلت في "أبي طالب" ثم ذكر تعالى شبهةً من شبهات المشركين وردَّ عليها بالبيان الواضح فقال ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أي وقال كفار قريش: إن اتبعناك يا محمد على دينك وتركنا ديننا نخاف أن تتخطفنا العرب فيتجمعون على محاربتنا، ويخرجوننا من أرضنا، قال المبرد: والتخطُّف الانتزاع بسرعة، قال تعالى رداً عليهم ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ أي أولم نعصمْ دماءهم ونجعل مكانهم حرماً ذا أمن، بحرمة البيت العتيق؟ فكيف يكون الحرم آمناً لهم في حال كفرهم، ولا يكون آمناً لهم في حال إسلامهم؟ ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي تُجْلب إليه الأرزاق من كل مكان مع أنه بوادٍ غير ذي زرع رزقاً لهم من عندنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ولكن أكثرهم جهلة لا يتفكرون في ذلك ولا يتفطنون قال أبو حيان: قطع الله حجتهم بهذا البيان الناصع إذْ كانوا وهم كفارٌ بالله، عباد أصنام قد أمِنوا في حرمهم، والناسُ في غيره يتقاتلون وهم مقيمون في بلدٍ غير ذي زرع، يجيء إليهم ما يحتاجون من الأقوات، فكيف إذا آمنوا واهتدوا؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي وكثير من أهل قريةٍ طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فدمَّر الله عليهم وخرب ديارهم ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا﴾ أي فتلك مساكنهم خاويةً بما ظلموا لم تسكن من بعد تدميرها إلاَّ زماناً قليلاً إذْ لا يسكنها إلا المارَّةُ والمسافرون يوماً أو بعض يومٍ ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أي وكنا نحن الوارثين لأملاكهم وديارهم قال في البحر: والآية تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم، من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن، وخفض العيش، فكفروا النعمة وقابلوها بالشر والبطر فدمرهم الله وخرب ديارهم {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٨٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٨٢٩