بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيب عن الشبهات، ويجادل به الكفار ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي أجابه تعالى إلى طلبه وقال له: سنقوّيك بأخيك ونعينك به، ونجعل لكما غلبةً وتسلطاً على فرعون وقومه ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب ما أيدتكما به من المعجزات الباهرات ﴿أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي العاقبة لكما ولأتباعكما في الدنيا والآخرة، وأنتم الغالبون على القوم المجرمين كقوله تعالى ﴿كَتَبَ اللَّهُ لاغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي فلما جاءهم موسى بالبراهين الساطعة، والمعجزات القاطعة، الدالة على صدقه وأنه رسولٌ من عند الله ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي ما هذا الذي جئتنا به من العصا واليد إلا سحرٌ مكذوب مختلق، افتريته من قبل نفسك وتنسبه إلى الله ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي ءابَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ أي وما سمعنا بمثل هذه الدعوى -دعوى التوحيد- في ءابائنا وأجدادنا السابقين ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أجمل موسى في جوابهم تلطفاً في الخطاب، وإيثاراً لأحسن الوجوه في المجادلة معهم والمعنى: إن ما جئتكم به حقٌ وهدى وليس بسحر، وربي عالمٌ بذلك يعلم أني محقٌ وأنتم مبطلون، ويعلم من تكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي لا يسعد ولا ينجح من كان ظالماً فاجراً، كاذباً على الله، فعاقبة الظلم الخسران.
ادِّعاء فرعون الأُلوهية وتكبُّرِه في الأرض
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لاظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)﴾.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلا مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أي قال فرعون لأشراف قومه وسادتهم وهم حاشيته: لا أعلم لكم ربّاً سوايَ قال ابن عباس: كان بين هذه القولة الفاجرة وبين قوله ﴿أَنا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ أربعون سنة، وكذب عدوُّ الله بل علم أن له رباً هو خالقه وخالق قومه ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا﴾ أي فاطبخ لي يا هامان الآجر فاجعل لي منه قصراً شامخاً رفيعاً ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أي لعلي أرى وأشاهد إله موسى الذي زعم أنه أرسله، قال ذلك على سبيل التهكم ولهذا قال بعده ﴿وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي وإني لأظن موسى كاذباً في ادعائه أن في السماء رباً قال تعالى ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي وتكبر وتعظم فرعون وقومه عن الإيمان بموسى في أرض مصر بالباطل والظلم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ أي واعتقدوا أن لا بعث ولا نشور، ولا حساب ولا جزاء ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي فأخذناه مع جنوده فطرحناهم في البحر، وأغرقناهم فلم يبق منهم أحد ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ أي فانظر يا محمد