المشاق وقال أبو حيان: ولما كان ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ مما يتجدَّد ولا يستغرق الأزمان جاءت الصلة فعلاً، ولما كان الإيمان بالآخرة بما هو ثابت ومستقر جاءت الجملة اسمية وأُكدت بتكرار الضمير ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وجاء خبر المبتدأ فعلاً ليدل على الديمومة، ولما ذكر تعالى المؤمنين الموقنين بالبعث، ذكر بعدها المنكرين المكذبين بالآخرة فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي لا يصدّقون بالبعث ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي زينا لهم أعمالهم القبيحة حتى رأوها حسنة قال الرازي: والمراد من التزيين هو أن يخلق في قلبه العلم بما فيها من المنافع واللذات، ولا يخلق في قلبه العلم بما فيها من المضار والآفات ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي فهم في ضلال أعمالهم القبيحة يترددون حيارى لا يميزون بين الحسن والقبيح ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أي لهم أشد العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والتشريد ﴿وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ﴾ أي وخسارتهم في الآخرة أشد من خسارتهم في الدنيا لمصيرهم إلى النار المؤبدة والجحيم والأغلال ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أي وإنك يا محمد لتتلقى هذا القرآن العظيم وتُعطاه ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي من عند الله الحكيم بتدبير خلقه، العليم بما فيه صلاحهم وسعادتهم قال الزمخشري: وهذه الآية بسطٌ وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه.
قصة موسى عليه السلام
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ ءاياتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ ءاياتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)﴾.
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي اذكر يا محمد حين قال موسى لأهله - أي زوجته - إني أبصرتُ ورأيت ناراً قال المفسرون: وهذا عندما سار من مدين إلى مصر، وكان في ليلة مظلمة باردة، وقد ضلَّ عن الطريق وأخذ زوجته الطَّلقُ ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي سآتيكم بخبرٍ عن الطريق إذا وصلتُ إليها ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ أي أو آتيكم بشعلةٍ مقتبسة من النار ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي لكي تستدفئوا بها ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ أي فلما وصل إلى مكان النار رأى منظراً هائلاً عظيماً، حيث رأى النار تضطرم في شجرة خضراء لا تزداد النار إلا توقداً، ولا تزداد الشجرةُ إلا خضرةً ونُضْرة، ثم رفع رأسه فإِذا نورها متصلٌ بعنان السماء قال ابن عباس: لم تكن ناراً وإِنما كانت نوراً يتوهج فوقف موسى متعجباً ممّا رأى وجاءه النداء العلوي ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي نودي من جانب الطور بأن بوركتَ يا موسى وبورك من حولك من الملائكة قال ابن عباس: معنى ﴿بُورِكَ﴾ تقدَّس ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الملائكةُ قال أبو حيان: وبدؤه بالنداء تبشيرٌ لموسى وتأنيسٌ له ومقدمةٌ لمناجاته،