تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخالصة، وهو يحدث على وجه الأرض منبسطاً فيما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، ثم إِن الشمس تنسخه وتزيله شيئاً فشيئاً، إلى الزوال، ثم هو ينسخ ضوء الشمس من وقت الزوال إلى الغروب ويسمى فَيْئاً، ووجه الاستدلال به على وجود الصانع الحكيم أن وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود، وتغير أحواله بالزيادة والنقصان، والانبساط والتقلص، على الوجه النافع للعباد لا بدَّ له من صانع قادر، مدبر حكيم، يقدر على تحريك الأجرام العلوية، وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن، والترتيب الأكمل وما هو إِلا الله رب العالمين. ثم أشار تعالى إِلى آثار قدرته، وجليل نعمته الفائضة على الخلق فقال ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ أي هو سبحانه الذي جعل لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس بزينته قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيهاً من حيث إنه يستر الأشياء فصار لهم ستراً يستترون به كما يستترون بالثياب التي يكسونها ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ أي وجعل النوم راحةً لأبدانكم بانقطاعكم عن أعمالكم ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ أي وقتاً لانتشار الناس فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسباب رزقهم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي أرسل الرياح مبشرة بنزول الغيث والمطر ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أي أنزلنا من السحاب الذي ساقته الرياح ماءً طاهراً مطهّراً تشربون وتتطهرون به قال القرطبي: وصيغة ﴿طَهُور﴾ بناء مبالغة في "طاهر" فاقتضى أن يكون طاهراً مطهّراً ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي لنحيي بهذا المطر أرضاً ميتةً لا زرع فيها ولا نبات ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ أي وليشرب منه الحيوان والإِنسان لأن الماء حياة كل حيّ، والناس محتاجون إِليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وسقي مواشيهم قال الإِمام الفخر الرازي: وتنكير الأنعام والأناسي لأن حياة البشر بحياة أرضهم وأنعامهم، وأكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار، فهم في غنية عن شرب مياه المطر، وكثيرٌ منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إِلا عند نزول المطر ولهذا قال ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ أي بشراً كثيرين لأن "فعيل" يراد به الكثرة ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي ضربنا الأمثال في هذا القرآن للناس وبيَّنا فيه الحجج والبراهين ليتفكروا ويتدبروا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ أي أبى الكثير من البشر إِلا الجحود والتكذيب ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أي لو أردنا لخففنا عنك أعباء النبوة فبعثنا في كل أهل قرية نبياً ينذرهم، ولكنا خصصناك بالبعثة إلى جميع الأرض إِجلالاً لك، وتعظيماً لشأنك، فقابل هذا الإِجلال بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإِظهار الحق ﴿فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ أي فلا تطع الكفار فيما يدعونك إِليه من الكفّ عن آلهتهم، وجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً بالغاً نهايته لا يصاحبه فتور ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي هو تعالى بقدرته خلى وأرسل البحرين متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ أي شديد العذوبة قاطع للعطش من فرط عذوبته ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي بليغ الملوحة، مرُّ شديد المرارة ﴿وَجَعلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ أي جعل بينهما حاجزاً من قدرته لا يغلب أحدهما على الآخر ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي ومنعاً من وصول أثر أحدهما

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٧٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٧٧٤