تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي من بيده الملك الواسع التام؟ ومن بيده خزائن كل شيء؟ ومن هو المتصرف في هذه الأكوان بالخلق والإِيجاد والتدبير؟ ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي يحمي من استجار به والتجأ إِليه، ولا يغيث أحدٌ منه أحداً ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إِن كنتم تعلمون فأخبروني عن ذلك ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي سيقولون: الملك كله والتدبيرُ لله جلَّ وعلا ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي قل لهم: فكيف تُخدعون وتُصرفون عن طاعته وتوحيده مع اعترافكم وعلمكم بأنه وحده المتصرف المالك؟ قال أبو حيان: والسحر هنا مستعار وهو تشبيه لما يقع منهم من التخليط، ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع للمسحور من التخبط والتخليط رتَّب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولاً ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؟ ثم قال ثانياً ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾؟ وذلك أبلغ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثاً ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي بل جئناهم بالقول الصدق في أمر التوحيد والبعث والجزاء ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي كاذبون فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد. لمَّا بالغ في الحِجاج عليهم بالآيات السابقة أعقبها بهذه الآية كالوعيد والتهديد.

نفي الولد والشريك لله تعالى

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)﴾.

ثم بيَّن بطلان الشريك والولد بالبرهان القاطع فقال ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ أي ما اتخذ الله ولداً مطلقاً لا من الملائكة ولا من البشر ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ أي وليس معه من يشاركه في الألوهية والربوبية ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أي لو كان معه إِله - كما زعم عبدة الأوثان - لانفرد كل إِلهٍ بخلقه الذي خلق واستبدَّ به، وتميَّز ملك كلِّ واحد عن ملك الآخر ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي ولغلب بعضهم على بعض كحال ملوك الدنيا قال ابن كثير: المعنى لو قدر تعدُّد الآلهة لأنفرد كلٌ منهم بما خلق، ثم لكان كلٌ منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض وما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظمٌ متَّسقٌ غاية الكمال فدل على تنزه الله عن الولد والشريك ولهذا قال ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزّه الله وتقدَّس عما يصفه به الظالمون ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي هو تعالى العالم بما غاب عن الأنظار، وبما تدركه الأبصار، لا تخفى عليه خافية من شؤون الخلق ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تقدَّس وتنزَّه عن الشريك والولد.

توجيهات إلى النبي صلى الله عليه وسلم

﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)﴾.

﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي قل يا ربِّ إِن كان ولا بدَّ من أن تُريَني ما تعدهم من العذاب في الدنيا ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هذا جواب الشرط ﴿إِمَّا﴾ وكرَّر قوله ﴿رَبِّ﴾ مبالغةً في الدعاء والتضرع أي ربّ فلا تجعلني في جملة

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٧٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٧٣٥