عباس: يتبع بعضهم بعضاً ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ تشنيع عليهم بكمال ضلالهم أي أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من سبقهم من الضالين المكذبين ولهذا قال ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي ألحقنا بعضهم في إِثر بعض بالهلاك والدمار ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي أخباراً تُروى وأحاديث تُذكر، يتحدث الناس بما جرى عليهم تعجباً وتسلية ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي فهلاكاً ودماراً لقومٍ لا يصدّقون الله ورسله.
قصة موسى وهارون عليهما السلام
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)﴾.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي أرسلناهما بآياتنا البينات قال ابن عباس: هي الآيات التسع "العصا، اليد، الجراد" إلخ ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي وحجة واضحة ملزمة للخصم ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي أرسلناهما إِلى فرعون الطاغية وأشراف قومه المتكبرين ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي عن الإِيمان بالله وعبادته ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ أي متكبرين متمردين، قاهرين لغيرهم بالظلم ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ أي أنصدق رجلين مثلنا ونتَّبعهما؟ ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي والحال أن قوم موسى وهارون منقادون لنا كالخدم والعبيد؟ ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ أي فكذبوا رسولينا فكانوا من المغرقين أبو حيّان ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي أعطينا موسى التوراة بعد غرق فرعون وملائه ليهتدي بها بنو إِسرائيل.
قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام
﴿وَجَعلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)﴾.
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي وجعلنا قصة مريم وابنها عيسى معجزةً عظيمة تدل على كمال قدرتنا ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ أي وجعلنا منزلهما ومأواهما إِلى مكانٍ مرتفع من أرض بيت المقدس قال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي مستوية يستقر عليها وماءٍ جارٍ ظاهر للعيون قال الرازي: القرار: المستقر كل أرض مستوية مبسوطة، والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، وعن قتادة: ذات ثمارٍ وماء، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها.
أوامر ربانية عامة
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ (56)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أي قلنا يا أيها الرسل كلوا من الحلال وتقربوا إِلى الله بالأعمال الصالحة، والنداء لكل رسولٍ في زمانه وصّى به كل رسول إِرشاداً لأمته كما تقول تخاطب تاجراً: يا تجار اتقوا الربا ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعيدٌ وتحذير أي إِني عالم بما تعملون لا يخفى علىَّ شيء من أمركم،