وقال ابن إسحاق: هي من وضع الزنادقة وقال البيهقي: رواتها مطعون فيهم وقال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق وهي روايات مرسلات ومنقطعات لا تصح وقال القاضي عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أُولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. أقول: مما يدل على بطلان القصة قوله تعالى في نفس السورة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فكيف نطق المعصوم بمثل هذا الذي يزعمونه! سبحانك هذا بهتان عظيم وانظر الرد القاطع في تفسير الفخر الرازي.
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي يزيل ويبطل الله ما يلقيه الشيطان من الوساوس والأوهام ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءاياتِهِ﴾ أي يثبت في نفس الرسول ءاياته الدالة على الوحدانية والرسالة ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي مبالغٌ في العلم حكيم يضع الأشياء في مواضعها قال أبو السعود: وفي الآية دلالة على جواز السهو من الأنبياء عليهم السلام، وتطرق الوسوسة إليهم ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي ليجعل تلك الشبه والوساوس التي يلقيها الشيطان ﴿فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي فتنة للمنافقين الذين في قلوبهم شك وارتياب ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أي وفتنةً للكافرين الذين لا تلين قلوبهم لذكر الله، وهم خواص من الكفار عتاةٌ كأبي جهل، والنضر، وعتبة ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي وإن هؤلاء المذكورين من المنافقين والمشركين لفي عداوة شديدة لله ولرسوله، ووصف الشقاق بلفظ ﴿بَعِيدٍ﴾ لأنه في غاية الضلال والبعدِ عن الخير ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي وليعلم أهل العلم أن القرآن هو الحق النازل من عند الله تعالى ﴿فَيُؤْمنُوا بِهِ﴾ أي يؤمنوا بهذا القرآن ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تخشع وتسكن له قلوبهم بخلاف مَنْ في قلبه مرض ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي مرشد المؤمنين إلى الصراط المستقيم ومنقذهم من الضلالة والغواية ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي ولا يزال هؤلاء المشركون في شك وريب من هذا القرآن ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أي حتى تأتيهم الساعة فجأة دون أن يشعروا قال قتادة: ما أخذ الله قوماً قطُّ إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي أو يأتيهم عذاب يوم القيامة وسمي عقيماً لأنه لا يوم بعده قال أبو السعود: كأنَّ كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيماً، والمراد به الساعة أيضاً كأنه قيل: أو يأتيهم عذابها، ووضع ذلك موضع الضمير لمزيد التهويل ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أي الملك يوم القيامة لله وحده لا منازع له فيه ولا مدافع ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي يفصل بين عباده بالعدل، فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار ولهذا قال ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي فالذين صدقوا الله ورسوله وفعلوا صالح الأعمال لهم النعيم المقيم في جنات الخلد ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي والذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله لهم العذاب المخزي مع الإِهانة والتحقير في دار الجحيم.
مجازاة من هاجر في سبيل الله