تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا إِلا بذنب عظيم فعند ذلك تضرَّع إِلى الله فكشف عنه ضره ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي أكثرهم رحمة فارحمني، ولم يصرّح بالدعاء ولكنه وصف نفسه بالعجز والضعف، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان فيه من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي أجبنا دعاءه وتضرعه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ أي أزلنا ما أصابه من ضر وبلاء ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال ابن مسعود: مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإِناث فلما عوفي أُحيوا له وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات. والمعنى أعطيناه أهله في الدنيا ورزقناه من زوجته مثل ما كان له من الأولاد والأتباع ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي من أجل رحمتنا إِيّاه ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر قال القرطبي: أي وتذكيراً للعُبَّاد لأنهم إِذا ذكروا بلاء أيوب ومحنته وصبره وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا مثل ما فعل أيوب وهو أفضل أهل زمانه، يُروى أنَّ أيوب مكث في البلاء ثمان عشرة سنة فقالت له امرأته يوماً: لو دعوتَ الله عز وجل فقال لها: كم لبثنا في الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: إِني أستحيي من الله أن أدعوه وما مكثت في بلائي المدة التي مكثتها في رخائي.

قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل عليهم السلام:

﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)﴾.

﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ واذكر لقومك قصة إِسماعيل بن إِبراهيم وإِدريس بن شيث وذا الكفل ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي كل هؤلاء الأنبياء من أهل الإِحسان والصبر، جاهدوا في الله وصبروا على ما نالهم من الأذى ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ أي أدخلناهم بصبرهم وصلاحهم الجنة دار الرحمة والنعيم ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي لأنهم من أهل الفضل والصلاح.

قصة يونس عليه السلام وابتلاع الحوت له

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي واذكر لقومك قصة يونس الذي ابتلعه الحوت، والنونُ هو الحوتُ نُسب إِليه لأنه التقمه ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي حين خرج من بلده مغاضباً لقومه إِذ كان يدعوهم إِلى الإِيمان فيكفرون حتى أصابه ضجر منهم فخرج عنهم ولذلك قال الله تعالى ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ ولا يصح قول من قال: مغضباً لربه قال أبو حيان: وقولُ من قال مغاضباً لربه يجب طرحه إِذ لا يناسب منصب النبوة وقال الرازي: لا يجوز صرف المغاضبة إِلى الله تعالى لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي، والجاهلُ بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً، ومغاضبتُه لقومه كانت غضباً لله، وأنفةً لدينه، وبغضاً للكفر وأهله ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي ظنَّ يونس أنْ لن نضيّق عليه بالعقوبة كقوله ﴿ومن قُدر عليه رزقُه﴾ أي ضُيّق عليه فيه فهو من القدر لا من القُدرة قال الإِمام الفخر الرازي: من ظنَّ عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إِلى آحاد المؤمنين فكيف إِلى الأنبياء عليهم السلام!

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٧٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٧٠٠