تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} أي وجد الشمس تشرقُ على أقوامٍ ليس لهم من اللباس والبناء ما يسترهم من حر الشمس فإِذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب تحت الأرض، وإِذا غربتْ خرجوا لمكاسبهم، قال قتادة: مضى ذو القرنين يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلاّ من آمن حتى أتى مطلع الشمس فأصاب قوماً من أسراب عراةً، ليس لهم طعام إلا ما أنضجته الشمس إذا طلعت، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا من أسرابهم في طلب معايشهم، وذُكر لنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان، ويقال إنهم الزنج ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أي كذلك فعل بأهل المشرق من آمن تركه ومن كفر قتله كما فعل بأهل المغرب وقد أحطنا علماً بأحواله وأخباره، وعتاده وجنوده، فأمرُه من العظمة وكثرة الرجال بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي سلك طريقاً ثالثاً بين المشرق والمغرب يوصله جهة الشمال حيث الجبال الشاهقة ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي حتى إذا وصل إلى منطقة بين حاجزين عظيمين، بمنقطع أرض بلاد الترك مما يلي أرمينية وأذربيجان، قال الطبري: والسَّدُ: الحاجز بين الشيئين وهما هنا جبلان سُدَّ ما بينهما، فردَم ذو القرنين حاجزاً بين يأجوج ومأجوج من ورائهم ليقطع مادة غوائلهم وشرهم عنهم ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي وجد من وراء السدين قوماً متخلفين لا يكادون يعرفون لساناً غير لسانهم إلا بمشقة وعُسر، قال المفسرون: إنما كانوا لا يفقهون القول لغرابة لغتهم، وبطء فهمهم، وبعدهم عن مخالطة غيرهم، وما فهم كلامهم إلا بواسطة ترجمان ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ أي قال القوم لذي القرنين: إن يأجوج ومأجوج - قبيلتان من بني آدم في خلقهم تشويهٌ، منهم مفرطٌ في الطول، ومنهم مفرطٌ في القِصر - قومٌ مفسدون بالقتل والسلب

والنهب وسائر وجوه الشر، قال المفسرون: كانوا من أكلة لحوم البشر، يخرجون في الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابساً إلا احتملوه ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أي هل نفرض لك جزءاً من أموالنا كضريبة وخراج ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ أي لتجعل سداً يحمينا من شر يأجوج ومأجوج، قال أبو حيّان: هذا استدعاءٌ منهم لقبول ما يبذلونه على جهة حسن الأدب ﴿قَالَ مَا مَكَّني فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي ما بسطه الله عليَّ من القُدرة والمُلك خيرٌ مما تبذلونه لي من المال ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي لا حاجة لي إلى المال فأعينوني بالأيدي والرجال ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ أي أجعل بينكم وبينهم سداً منيعاً، وحاجزاً حصيناً، وهذه شهامة منه حيث رفض قبول المال وتطوَّع ببناء السد واكتفى بعون الرجال ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي أعطوني قطع الحديد واجعلوها لي في ذلك المكان ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي حتى إذا ساوى البناء بين جانبي الجبلين ﴿قَالَ انفُخُوا﴾ أي انفخوا بالمنافيخ عليه ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ﴾ أي جعل ذلك الحديد المتراكم كالنار بشدة الإِحماء ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي أعطوني أصبُّ عليه النحاس المذاب، قال الرازي: لما أتوه بقطع الحديد وضع بعضها على بعض حتى صارت بحيث تسدُّ ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافخ عليها حتى إذا صارت كالنار صبَّ النحاس المذاب على الحديد المحمي فالتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٦٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٦٥١