يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} أي احبس نفسك مع الضعفاء والفقراء من المسلمين الذين يدعون ربهم بالصباح والمساء ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يبتغون بدعائهم وجه الله تعالى ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف، قال المفسرون: كان عليه السلام حريصاً على إِيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم، ولم يكن مريداً لزينة الدنيا قط، فأمِر أن يجعل إِقباله على فقراء المؤمنين، وأن يُعرض عن أولئك العظماء والأشراف من المشركين ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي تبتغي بمجالستهم الشرف والفخر، قال ابن عباس: لا تجاوزهم إلى غيرهم تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي لا تطع كلام الذين سألوك طرد المؤمنين، فقلوبهم غافلة عن ذكر الله، وقد شغلوا عن الدين وعبادةِ ربهم بالدنيا، قال المفسرون: نزلت في عُيينة بن حصن وأصحابه، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم "سلمان الفارسي" وعليه شملة صوف قد عرق فيها، فقال عُيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادةُ مضر وأشرافُها إن أسلمنا يسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحِّهمْ عنك حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلس، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم إلى ما طلبوا فلما، نزلت الآية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس هؤلاء الفقراء فلما رآهم جلس معهم وقال ﴿الحمد لله الذي جعل في أُمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم﴾، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي سار مع هواه وترك أمر الله ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي كان أمره ضياعاً وهلاكاً ودماراً ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ظاهرهُ أمرٌ وحقيقته وعيدٌ وإِنذار، أي قل يا محمد لهؤلاء الغافلين لقد ظهر الحق وبان بتوضيح الرحمن فإِن شئتم فآمنوا وإِن شئتم فاكفروا كقوله ﴿اعملوا ما شئتم﴾، ﴿إنّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي هيأنا للكافرين بالله ورسوله ناراً حاميةً شديدة أحاط بهم سورها كإِحاطة السوار بالمعصم ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ أي وإِن استغاثوا من شدة العطش فطلبوا الماء أُغيثوا بماءٍ شديد الحرارة كالنحاس المذاب أو كعكر الزيت المحمى يشوي وجوههم إذا قَرُب منهم من شدة حره وفي الحديث (ماءُ كعكر الزيت فإِذا قُرب إليه سقطت فروة وجهه فيه) أي سقطت جلدة وجهه فيه أعاذنا الله من جهنم ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي بئس ذلك الشراب الذي يُغاثون به وساءت جهنم منزلاً ومقيلاً يرتفق به أهل النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ لما ذكر تعالى حال الأشقياء أعقبه بذكر حال السعداء، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، أي إنا لا نضيع ثواب من أحسن عمله وأخلص فيه بل نزيده وننميه ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي لهم جنات إقامة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ﴾ أي تجري من تحت غرفهم ومنازلهم أنهار الجنة ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي يُحلَّون في الجنة بأساور الذهب، قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أساور: سوارٌ من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، لأن الله تعالى قال ﴿وحلوا أساور من فضة﴾ وقال ﴿ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير﴾ وفي الحديث (تبلغ حلية المؤمن من حيث يبلغ الوضوء) ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ أي وهم رافلون في ألوانٍ من الحرير، برقيق الحرير وهو السندس،
موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٦٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٦٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي