تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} أي والله أيها المشركون لتُسألنَّ عما كنتم تختلقونه من الكذب على الله، والمراد سؤال توبيخٍ وتقريع.

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ أي ومن جهل هؤلاء المشركين وسفاهتهم أن جعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إِلى الله البنات وجعلوا لهم البنين ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزَّه الله وتعظَّم عن هذا الإِفك والبهتان ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي ويجعلون لأنفسهم ما يحبّون من البنين أما البنات اللواتي يكرهونهن فينسبونهم إلى الله تعالى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى﴾ أي إِذا أُخبر أحدهم بولادة بنت ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي صار وجهه متغيراً من الغم والحزن قال القرطبي: وهو كناية عن الغم والحزن وليس يريد السواد، والعربُ تقول لكل من لقي مكروهاً قد اسودَّ وجهه ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مملوءٌ غيظاً وغماً ﴿يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ أي يختفي من قومه خوفاً من العار الذي يلحقه بسبب البنت، كأنها بليَّة وليست هبةً إِلهية، ثم يفكر فيما يصنع ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي أيرضى بهذه الأنثى على ذلٍّ وهوان أم يدفنها في التراب حية؟ ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي ساء صنيعهم وساء حكمهم، حيث نسبوا لخالقهم البنات - وهي عندهم بتلك الدرجة من الذل والحقارة - وأضافوا البنين إِليهم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي لهؤلاء الذين لم يصدّقوا بالآخرة ونسبوا للهِ البنات سفهاً وجهلاً، صفةُ السوء القبيحة التي هي كالمثل في القبح، فالنقصُ إِنما ينسب إِليهم لا إِلى الله ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أي له جل وعلا الوصف العالي الشأن، والكمال المطلق، والتنزه عن صفات المخلوقين ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي العزيزُ في ملكه، الحكيمُ في تدبيره.

ثم أخبر تعالى عن حلمه بالعباد مع ظلمهم فقال ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي لو يؤاخذهم بكفرهم ومعاصيهم ويعاجلهم بالعقوبة ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي ما ترك على الأرض أحداً يدبُّ على ظهرها من إِنسانٍ وحيوان ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي ولكنْ يؤخرهم إِلى وقتٍ معيَّن تقتضيه الحكمة ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي فإِذا جاء الوقت المحدَّد لهلاكهم لا يتأخرون برهةً يسيرةً من الزمن ولا يتقدمون عليها كقوله ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾.

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي ينسبون إليه تعالى البنات مع كراهتهم لهنَّ، وهو تأكيد لما سبق للتقريع والتوبيخ ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى﴾ أي يجعلون لله ما يجعلون ومع ذلك يزعمون أنَّ لهم العاقبة الحسنى عند الله وأنهم أهل الجنة ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمْ النَّارَ﴾ أي حقاً إِنَّ لهم مكاناً في نار جهنم التي ليس وراء عذابها عذاب ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أي معجَّلون إِليها ومُقدَّمون.

إرسال الله الرسل، ومهمة الرسول صلى الله عليه وسلم تبيان القرآن

﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)﴾.

ثم ذكر تعالى نعمته في إرسال الرسل ليتأسى صلوات الله عليه بهم في الصبر على تحمل الأذى فقال ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٥٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٥٩٦