سبب النزول:
أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه يضحكون، فقال: "أتضحكون، وذِكْر الجنة والنار بين أيديكم، فنزلت هذه الآية: ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ ".
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي وأخبرهم عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإِهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمانٍ حسانٍ معهم جبريل ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا﴾ أي حين دخلوا على إبراهيم فسلَّموا عليه ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي قال إبراهيم إنّا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا ﴿قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي قالت الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ أي بشرناك باليقين الثابت فلا تستبعدْه ولا تيأس من رحمة الله ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ استفهام إنكاري أي لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب الأرباب، أما القلب العامر بالإِيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط، قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم من أجله أيها الملائكة الكرام؟ ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أي أرسلنا ربنا إلى قومٍ مشركين ضالين لإِهلاكهم يعنون قوم لوط ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إلا أتباعَ لوط وأهلَه المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ﴾ أي إلا امرأة لوط فقد قدَّر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين، قال القرطبي: استثنى من آل لوط امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي فلما أتى رسلُ الله لوطاً عليه السلام ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي قال لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي قالوا له بل نحن رسل، جئناك بما كان فيه قومك يشكُّون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم وإنا لصادقون فيما نقول ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي سرْ بأهلك في طائفةٍ من الليل ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ أي كنْ من ورائهم وسرْ خلفهم لتطمئنَّ عليهم ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي لا يلتفتْ أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي سيروا حيث يأمركم الله عز وجل، قال ابن عباس: يعني الشام ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم، أولئك المجرمين سيُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ ﴿مُصْبِحِين﴾ أي إذا دخل الصباح تمَّ هلاكهم واستئصالهم ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم لوطٍ - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعاً في ارتكاب الفاحشة بهم، ظناً منهم أنهم أناسٌ أمثالهم، قال المفسرون: