وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15)}
سبب النزول:
نزول الآية (13):
﴿ويرسل الصواعق﴾: ذكر الرواة سببين لنزول هذه الآية، أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس: أن أَرْبَدَ بن قيس وعامر بن الطُّفَيْل قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر: يا محمد: ما تجعل إليَّ إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، فخرجا، فقال عامر: إني أَشْغَل عنك وجه محمد بالحديث، فأضربه بالسيف، فرجعا، فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك، فقام معه، ووقف يكلمه، وسلَّ (أرْبَد) السيف، فلما وضع يده على قائم السيف، يبست، والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه، فانصرف عنهما، فخرجا، حتى إذا كانا بالرَّقْم (موضع) أرسل الله على أربد صاعقة، فقتلته، فأنزل الله: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾ إلى قوله ﴿شديد المحال﴾. وأما عامر فأرسل الطاعون عليه، فخرجت فيه غُدَّة كغدة الجمل، ومات في بيت سلولية.
وذكر الواحدي ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والنسائي والبزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً مرّة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: اذهب فادعه لي، فقال: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: اذهب فادعه لي، قال: فذهب إليه، فقال: يدعوك رسول الله، قال: وما الله، أمن ذهب هو، أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال: وقد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: ارجع إليه الثانية فادعه، فرجع إليه، فعاد عليه مثل الكلام الأول، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع إليه، فرجع الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يكلمني، إذ بعثت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ﴾ هذا بيانٌ لآثار قدرته تعالى المنبثّة في الكون أي يريكم أيها الناس البرق الخاطف من خلال السحاب ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس: خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث، فإن البرق غالباً ما يعقبه صواعق مدمّرة، وقد يكون وراءه المطر المدرار الذي به حياة البلاد والعباد ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ أي وبقدرته كذلك يخلق السحب الكثيفة المحمَّلة بالماء الكثير ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْملائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي يسبح الرعد له تسبيحاً مقترناً بحمده والثناء عليه، وتسبّح له الملائكة خوفاً من عذابه، وتسبيحُ الرعد حقيقةٌ دلَّ عليها القرآن فنؤمن بها وإن لم نفهم تلك الأصوات فهو تعالى لا يخبر إلا بما هو حقٌّ كما قال ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ أي يرسل الصواعق المدمّرة نقمة يهلك بها من شاء ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي وكفار مكة يجادلون في وجود الله ووحدانيته وفي قدرته على البعث ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي وهو تعالى شديد القوة والبطش والنكال، القادر على