اعترافٌ بالخطيئة وإقرار بالذنب أي والله لقد فضَّلك الله علينا بالتقوى والصبر، والعلم والحلم ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي وحالُنا وشأننا أننا كنا مذنبين بصنيعنا الذي صنعنا بك، ولذلك أعزَّك الله وأذلنا، وأكرمك وأهاننا ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي قال لهم يوسف: لا عتب عليكم اليوم ولا عقوبة بل أصفح وأعفو ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ دعاءٌ لهم بالمغفرة وهذا زيادة تكريم منه لما فرط منهم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي هو جل وعلا المتفضل على التائب بالمغفرة والرحمة، أرحم بعباده من كل أحد ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ قال الطبري: ذُكر أن يوسف لمّا عرَّف نفسه لإخوته سألهم عن أبيهم فقالوا: ذهب بصره من الحزن فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال السرور عليه بذلك ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يرجع إليه بصره ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي وجيئوني بجميع الأهل والذرية من أولاد يعقوب.
إخبار يعقوب بريح يوسف وتأييد قوله
﴿وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)﴾
﴿وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ﴾ أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أي قال يعقوب لمن حضر من قرابته إني لأشمّ رائحة يوسف، قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف وبينهما مسيرة ثمان ليال ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي تسفهوني وتنسبوني إلى الخَرَف وهو ذهاب العقل وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف تقديره لأخبرتكم أنه حيٌّ ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي قال حفدته ومن عنده: والله إنك لفي خطأ وذهاب عن طريق الصواب قديم، بإفراطك في محبة يوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه، قال المفسرون: وإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ أي فلما جاء المبشر بالخبر السارّ، قال مجاهد: كان البشير أخاه يهوذا الذي حمل قميص الدم فقال: أُفرحه كما أحزنته ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي عاد بصيراً لما حدث له من السرور والانتعاش ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي قال يعقوب لأبنائه: ألم أخبركم بأني أعلم ما لا تعلمونه من حياة يوسف وأن الله سيرده عليَّ لتتحقق الرؤيا؟ قال المفسرون: ذكّرهم بقوله ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ روي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك! على أيّ دين تركتَه؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمَّت النعمة ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ طلب أبناؤه أن يستغفر لهم لما فرط منهم ثم اعترفوا بخطئهم بقولهم ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ أي مخطئين فيما ارتكبنا مع يوسف ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ وعدهم بالاستغفار، قال المفسرون: أخَّر ذلك إلى السَّحَر ليكون أقرب إلى الإِجابة وقيل: أخَّرهم إلى يوم الجمعة ليتحرى ساعة الإِجابة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي الساتر للذنوب الرحيم بالعباد.
لقاء أسرة يعقوب عليه السلام في مصر