﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ أي حفظُ الله خيرٌ من حفظكم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي هو أرحم من والديه وإخوته، فأرجو أن يمُنَّ عليَّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ أي ولما فتحوا الأوعية التي وضعوا فيها الميرة وجدوا ثمن الطعام في متاعهم ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي ماذا نبغي؟ وأيَّ شيءٍ نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟ ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ أي هذا ثمن الطعام قد رُدَّ إلينا من حيثُ لا ندري، فهل هناك مزيدٌ فوق هذا الإِحسان، أوفى لنا الكيل، وردَّ لنا الثمن!! أرادوا بذلك استنزال أبيهم عن رأيه ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نأتي بالميرة والطعام لأهلنا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ أي نحفظه من المكاره، وكرروا حفظ الأخ مبالغةً في الحض على إرساله ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي ونزداد باستصحابنا له حمل بعير، روي أنه ما كان يعطي الواحد إلا كيل بعير من الطعام، فأعطاهم حمل عشرة جمال ومنعهم الحادي عشر حتى يحضر أخوهم ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي سهلٌ على الملك إعطاؤه لسخائه ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ﴾ أي قال لهم أبوهم: لن أرسل معكم بنيامين إلى مصر حتى تعطوني عهداً مؤكداً وتحلفوا بالله لتردُنه عليَّ ﴿إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلا أن تُغلبوا ولا تقْدروا على تخليصه، ولا يبقى لكم طريق أو حيلة إلى ذلك، قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلُّكم فيكون ذلك عذراً عندي ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أي فلما حلفوا له وأعطوه العهد المؤكد ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي الله شهيد رقيب على ذلك.
وصية يعقوب لأولاده بالدخول متفرقين
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68)﴾
﴿وَقَالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أي لا تدخلوا مصر من بابٍ واحد، قال المفسرون: خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمالٍ وهيبة، والعينُ حقٌ تُدخل الرجلَ القبرَ والجملَ القِدر، كما جاء في الحديث ﴿وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئاً مما قضاه الله عليكم، فإن الحذر لا يدفع القدر ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ أي ما الحكم إلا لله جلَّ وعلا وحده لا يشاركه أحد، ولا يمانعه شيء ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي عليه وحده اعتمدت وبه وثقت ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي وعليه فليعتمدْ أهل التوكل والإِيمان، ولْيفوضوا أمورهم إليه ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي دخلوا من الأبواب المتفرقة كما أوصاهم أبوهم ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي ما كان دخولهم متفرقين ليدفع عنهم من قضاء الله شيئاً ﴿إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أي إلا خشية العين شفقةً منه على بنيه ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي وإِن يعقوب لذو علمٍ واسع لتعليمنا إياه بطريق الوحي، وهذا ثناءٌ من الله تعالى عظيمٌ على يعقوب، لأنه علم بنور النبوة أن القدر لا يدفعه الحذر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون ما خصَّ الله به أنبياءه وأصفياءه من العلوم التي تنفعهم في الدارين.
حرص يوسف على إبقاء أخيه بنيامين لديه