شاعت في البلد، واشتهرت وتحدث بها النساء ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ أي امرأة عزيز مصر تطلب من خادمها وعبدها أن يواقعها وتخادعه وتتوسل إليه لقضاء وطرها منه، قال أبو حيان: وتصريحهن بإضافتها إلى العزيز مبالغة في التشنيع، لأن النفوس أميل لسماع أخبار ذوي الجاه، وعبَّرن بـ ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ للدلالة على أن ذلك صار سجيّةً لها فهي دائماً تخادعه عن نفسه لأن المضارع يفيد التجدد والاستمرار ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي بلغ حبُّه شَغَاف قلبها - وهو حجابه - وشقَّه حتى وصل إلى فؤادها ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنا لنعتقد أنها في ضلال عن طريق الرشد واضح بسبب حبها إيّاه ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي فلما سمعت بحديثهن، وسماه مكراً لأنه كان في خفية، كما يخفي الماكر مكره ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ أي أرسلت إليهنَّ تدعوهنَّ إلى منزلها لحضور وليمة، قال المفسرون: دعت أربعين امرأةً من الذوات منهن النساء الخمس المذكورات ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي هيأتْ لهنَّ ما يتكئن عليه من الفرش والوسائد ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ في الكلام محذوف أي قدمت لهن الطعام وأنواع الفاكهة ثم أعطت كل واحدةٍ منهنَّ سكيناً لتقطع به ﴿وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي وقالت ليوسف وهنَّ مشغولات بتقشير الفاكهة والسكاكين في أيديهن: اخرجْ عليهنَّ فلم يشعرن إلا ويوسف يمرُّ من بينهن ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي فلما رأين يوسف أعظمْنه وأجللْنه، وبُهتن من جماله ودُهشن ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي جرحن أيديهن بالسكاكين لفرط الدهشة المفاجئة ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي تنزَّه الله عن صفات العجز، وتعالت عظمته في قدرته على خلق مثله ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أي ليس هذا من البشر ﴿إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ أي ما هو إلا مَلَك من الملائكة، فإن هذا الجمال الفائق، والحسن الرائع مما لا يكاد يوجد في البشر ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ صرَّحت عند ذلك بما في نفسها من الحب ليوسف لأنها شعرت بأنها انتصرت عليهن فقالت قولة المنتصرة: هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتُنَّني في محبته، فانظرن ماذا لقيتنَّ منه من الافتتان والدهش والإِعجاب!! ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي أردت أن أنال وطري منه، وأن أقضي شهوتي معه، فامتنع امتناعاً شديداً، وأبى إباءً عنيفاً، قال الزمخشري: والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي ولئن لم يطاوعني ليعاقبنَّ بالسجن والحبس وليكوننَّ من الأذلاء المهانين، قال القرطبي: عاودته المراودة بمحضرٍ منهنَّ، وهتكتْ جلباب الحياء، وتوعدتْ بالسجن إن لم يفعل، ولم تعد تخشى لوماً ولا مقالاً، خلاف أول أمرها إذ كان ذلك سراً بينها وبينه ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ لجأ يوسف إلى ربه وجعل يناجيه في خشوع وتضرع فقال: ربّ السجن آثرُ عندي وأحبُّ إلى نفسي من اقتراف الفاحشة، وأسند الفعل إليهن لأنهن جميعاً مشتركات في الدعوة بالتصريح أو التلويح، وقيل إنها لما توعدته نصحنه وزيَّن له مطاوعتها، ونهينه عن إلقاء نفسه في السجن ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أي وإن لم تدفع عني شرهن وتعصمني منهن ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي أملْ إلى إجابتهن بمقتضى البشرية ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي بسبب ما يدعونني إليه من القبيح، وهذا كله على سبيل التضرع والاستغاثة بجناب الله تعالى كعادة الأنبياء والصالحين ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ أي أجاب الله
موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٥٣٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٥٣٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي