أمركم بقدر استطاعتي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ﴾ أي ليس التوفيق إِلى الخير إِلا بتأييده سبحانه ومعونته ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي على الله سبحانه اعتمدت في جميع أموري، وإِليه تعالى أرجع بالتوبة والإِنابة ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أي لا يكسبنكم عداوتي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ أي يصيبكم العذابُ كما أصاب قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح، وقوم صالح بالرجفة، وقال الحسن: المعنى لا يحملنكم معاداتي على ترك الإِيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ أي وما ديار الظالمين من قوم لوطٍ بمكان بعيد، أفلا تتعظون وتعتبرون!؟ ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي استغفروا ربكم من جميع الذنوب، ثم توبوا إِليه توبةً نصوحاً ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أي إِنه جل وعلا عظيم الرحمة، كثير الود والمحبة لمن تاب وأناب ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي قالوا لنبيّهم شعيب على وجه الاستهانة: ما نفهم كثيراً مما تحدثنا به، قال الألوسي:
جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحِكَم والمواعظ، وأنواع العلوم والمعارف، من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يُفهم معناه، ولا يدرك فحواه مع أنه كما ورد في الحديث الشريف (خطيب الأنبياء) ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي لا قوة لك ولا عزَّ فيما بيننا ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أي ولولا جماعتك لقتلناك رمياً بالأحجار ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي لستَ عندنا بمكرَّم ولا محترم حتى نمتنع من رجمك ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؟ هذا توبيخ لهم أي أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاماً لجناب الرب تبارك وتعالى؟ فهل عشيرتي أعزّ عندكم من الله وأكرم؟ قال ابن عباس: إِن قوم شعيب ورهطه كانوا أعزَّ عليهم من الله وصغُر شأنُ الله عندهم، عزَّ ربنا وجلَّ ثناؤه ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي جعلتم الله خلف ظهوركم لا تطيعونه ولا تعظمونه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يُعبأ به، وهذا مثلٌ، قال الطبري: يقال للرجل إذا لم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره أي تركها ولم يلتفت إليها ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي إنه جل وعلا قد أحاط علماً بأعمالكم السيئة وسيجازيكم عليها ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ تهديدٌ شديد أي اعملوا على طريقتكم إني عاملٌ على طريقتي كأنه يقول: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة، فأنا ثابت على الإِسلام والمصابرة ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي سوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يذله ويهينه ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي وتعلمون من هو الكاذب ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أي انتظروا عاقبة أمركم إنني منتظر معكم ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءامنوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ أي ولما جاء أمرنا بإِهلاكهم نجينا شعيباً والمؤمنين معه بسبب رحمة عظيمة منا لهم ﴿وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أي وأخذ أولئك الظالمين صيحةُ العذاب، قال القرطبي: صاح بهم جبريل صيحةً فخرجت أرواحهم من أجسادهم ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي موتى هامدين لا حراك بهم، قال ابن كثير: وذكر ههنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمةٌ واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلّها، وإِنما ذكر في كل سياقٍ ما يناسبه ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي كأنّهم لم يعيشوا ويقيموا في ديارهم قبل ذلك ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ قال