﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي إِلى مدةٍ من الزمن قليلة ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي ليقولُنَّ استهزاءً ما يمنعه من النزول؟ ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أي ألا فلينتبهوا فإِنه يوم يأتيهم العذاب ليس مدفوعاً عنهم ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ أي نزل وأحاط بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ أي أنعمنا على الإِنسان بأنواع النعم من الصحة، والأمن، والرزق وغيرها من النعم ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ أي ثم سلبنا تلك النعم منه ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ أي قنوط من رحمة الله، شديد الكفر به ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ أي ولئن منحنا الإِنسان نعمة من بعد ما نزل به من الضر، وما أصابه من البلاء، كالفقر والمرض والشدة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أي انقطع الفقر والضيق والمصائب ولن تصيبني بعد اليوم ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أي بطرٌ بالنعمة مغترٌ بها، متعاظم على الناس بما أُوتي، والآيةُ ذمٌ لمن يقنط عند الشدائد، ويبطر عند النعم ﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي هذه عادة الإِنسان إِلا المؤمنين الذين يصبرون على الضراء، ويفعلون الخير في النعماء، فهم في حالتيْ المحنة والنعمة محسنون ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي أولئك الموصوفون بالصفات الحميدة لهم مغفرةٌ لذنوبهم، وأجر كبيرٌ في الآخرة هو الجنة، قال أبو حيّان: ووصف الثواب بأنه كبير وذلك لما احتوى عليه من النعيم السرمدي، والأمن من العذاب، ورضا الله عنهم، والنظر إِلى وجهه الكريم.
تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ الرسالة وتحديد المشركين بالقرآن
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)﴾
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ كان المشركون يقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، وكانوا يستهزئون بالقرآن فقال الله تعالى له: فلعلك يا محمد تاركٌ بعض ما أُنزل إِليك من ربك فلا تبلغهم إِيَّاه لاستهزائهم ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي ويضيق صدرك من تبليغهم ما نزل عليك من ربك خشية التكذيب، والغرضُ تحريضُه صلى الله عليه وسلم على تبليغ الرسالة وعدم المبالاة بمن عاداه ﴿أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ أي لأجل أن يقولوا هلاّ أُنزل عليه مالٌ كثير ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أي جاء معه ملك يصدّقه كما اقترحنا، قال تعالى محدّداً مهمته عليه السلام ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أي لست يا محمد إِلا منذراً تخوّف المجرمين من عذاب الله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي قائم على شئون العباد يحفظ عليهم أعمالهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي بل أيقولون اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من عند نفسه؟ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ أي إِن كان الأمر كذلك فأتوا بعشر سور مثله في الفصاحة والبلاغة مفتريات فأنتم عرب فصحاء ﴿وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي استعينوا بمن شئتم غير الله سبحانه ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنَّ هذا القرآن مفترى ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أي فإِن لم يستجب لكم