وضَّحت به الفارق الهائل بين المؤمنين، وفرقت بينهما كما تفرق الشمس بين الظلمات والنور ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؟.
*ثم تحدثت عن الرسل الكرام مبتدئة بقصة ((نوح)) عليه السلام أب البشر الثاني، لأنه لم ينج من الطوفان إلا نوحٌ والمؤمنون الذين ركبوا معه السفينة، وغرق كل من على الأرض، وهو أطول الأنبياء عُمُراً، وأكثرهم بلاءً وصبراً.
*ثم ذكرت قصة ((هود)) عليه السلام الذي سميت السورة الكريمة باسمه، تخليداً لجهوده الكريمة في الدعوة إلى الله، فقد أرسله الله تعالى إلى قوم ((عاد)) العتاة المتجبرين، الذين اغتروا بقوة أجسامهم وقالوا: من أشدُّ منا قوَّة؟ فأهلكهم الله بالريح الصرصر العاتية، وقد أسهبت الآيات في الحديث عنهم بقصد العظة والعبرة للمتكبرين المتجبرين ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ .. إلى قوله .. ألاَ إن عاداً كفروا ربهم، ألاَ بُعداً لعادٍ قوم هود﴾.
*ثم تلتها قصة نبي الله ((صالح)) ثم قصة ((لوط)) قم قصة ((شعيب)) ثم قصة ((موسى وهارون)) صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم جاء التعقيب المباشر بما في هذه القصص من العبر والعظات.
تقرير أصول الدين
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)﴾
﴿الر﴾ إِشارة إِلى إِعجاز القرآن، وأنه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية.
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ أي هو كتابٌ جليل القدر، نظمت آياته نظماً محكماً، لا يلحقه تناقضٌ ولا خلل ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي بُيّنت فيه أمور الحلال والحرام، وما يحتاج إِليه العباد في أمور المعاش والمعاد ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي من عند الله فصَّلها وبيَّنها الخبير العالم بكيفيات الأمور، ولذا كانت محكمة أحسن الإِحكام ومفصلة أحسن التفصيل ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ أي لئلا تعبدوا إِلا الله ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي إِنني مرسلٌ إِليكم من جهته تعالى، أنذركم بعذابه إِن كفرتم، وأبشركم بثوابه إِن آمنتم.
﴿وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي استغفروه من الذنوب وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والإِنابة ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أي يمتعكم في هذه الدنيا بالمنافع الجليلة من سعة الرزق، ورغَد العيش ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إِلى وقتٍ محدَّد هو انتهاء أعمالكم ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي ويعطي كل محسنٍ في عمله جزاء إِحسانه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي وإِن تتولوا عن الإِيمان وتُعرضوا عن طاعة الرحمن ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ أي أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، ووصف العذاب بأنه كبير لما فيه من الأهوال الشديدة ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي إِليه جلَّ وعلا رجوعكم بعد الموت ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر على إِماتتكم ثم إِحيائكم وعلى معاقبة من كذَّب لا يعجزه شيء، وفي الآية تهديد عظيم.
عدم الفائدة في الاستخفاء عند الإعراض عن الحق