تعالى ذلك عبثاً بل لحكمة عظيمة، وفائدة جليلة ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ أي يبيّن الآيات الكونيّة ويوضحها لقوم يعلمون قدرة الله، ويتدبرون حكمته، قال أبو السعود: أي يعلمون الحكمة في إِبداع الكائنات، فيستدلون بذلك على شؤون مبدعها جل وعلا.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي في تعاقبهما يأتي الليل فيذهب النهار، ويأتي النهار فيذهب الليل ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي وما أوجد فيهما من أصناف المصنوعات ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي لآيات عظيمة وبراهين جليلة، على وجود الصانع ووحدانيته، وكمال علمه وقدرته، لقومٍ يتقون الله ويخافون عذابه.
أحوال المؤمنين والكافرين يوم القيامة
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ ءامنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ أي لا يتوقعون لقاء الله أصلاً ولا يخطر ببالهم، فقد أعمتهم الشهوات عن التصديق بما بعد الممات ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي رضوا بالدنيا عوضاً من الآخرة، وآثروا الخسيس على النفيس ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ أي فرحوا بها وسكنوا إِليها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ أي وهم عن الأدلة المنبثّة في صحائف الأكوان غافلون، لا يعتبرون فيها ولا يتفكرون.
﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ أي مثواهم ومقامهم النار ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي بسبب كفرهم وإِجرامهم، وبعد أن ذكر الله حال الأشقياء أردفه بذكر حال السعداء فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءامنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ أي يهديهم إِلى طريق الجنة بسبب إِيمانهم ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي تجري من تحت قصورهم الأنهار أو من تحت أسرَّتهم وهم مقيمون في جنات النعيم ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي دعاؤهم في الجنة سبحانك اللهم وفي الحديث (يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمون النَّفس) أي كلامهم في الجنة تسبيح الله ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ أي وتحية بعضهم بعضاً سلامٌ عليكم كما تحيِّيهم بذلك الملائكة ﴿والملائكةُ يدخلون عليهم من كل باب سلامٌ عليكم﴾ ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي وآخر دعائهم أن يقولوا: الحمد لله ربّ العالمين.
رحمة الله لعباده والتجاؤهم إليه في الشدائد وإعراضهم عنه في الرخاء
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)﴾
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قال مجاهد: هو دعاء الرجل على نفسه أو ولده إِذا غضب، اللهم أهلكْه، اللهم لا تبارك فيه، قال الطبري: المعنى لو يعجل الله إِجابة دعاء الناس في الشر وفيما عليهم فيه مضرَّة، كاستعجاله لهم في الخير بالإِجابة إِذا دعوه به ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي لهلكوا وعُجِّل لهم الموت {فَنَذَرُ