وسيرى الله ورسوله عملكم فيما بعد، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي ثم ترجعون بعد مماتكم إِلى الله تعالى الذي يعلم السر والعلانية، ولا تخفى عليه خافية ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيخبركم عند وقوفكم بين يديه بأعمالكم كلها، ويجازيكم عليها الجزاء العادل.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ أي سيحلف لكم بالله هؤلاء المنافقون ﴿إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي إِذا رجعتم إِليهم من تبوك معتذرين بالأعذار الكاذبة ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي لتصفحوا عنهم ولتعرضوا عن ذمهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي فأعرضوا عنهم إِعراض مقتٍ واجتناب، وخلُّوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق، قال ابن عباس: يريد ترك الكلام والسلام ثم ذكر تعالى العلة فقال: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي لأنهم كالقذر لخبث باطنهم ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي مصيرهم إِلى جهنم هي مسكنهم ومأواهم ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي جزاءً لهم على نفاقهم في الدنيا، وما اكتسبوه من الآثام ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كرره لبيان كذبهم وللتحذير من الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة، أي يحلفون لكم بأعظم الأيمان لينالوا رضاكم ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي فإِن رضيتم عنهم فإِن رضاكم لا ينفعهم لأن الله ساخط عليهم، قال أبو السعود: ووضع الفاسقين موضع الضمير للتسجيل عليهم بالفسق والخروج عن الطاعة.
أحوال الأعراب سكان البادية
﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)﴾
﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ الأعراب - أهل البدو - أشد كفراً وأعظم نفاقاً من أهل الحضر، لجفائهم وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير والصلاح ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي وهم أولى بألا يعلموا ما أنزل الله على رسوله من الأحكام والشرائع، قال أبو حيّان: وإِنما كانوا أشد كفراً ونفاقاً لفخرهم وطيشهم ونشأتهم بلا سائس ولا مؤدب ولا مُربّي، فقد نشأوا كما شاءوا، ولبعدهم عن مشاهدة العلماء ومعرفة كتاب الله وسنة رسوله، فكانوا أطلق لساناً بالكفر من منافقي المدينة ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بخلقه حكيم في صنعه.
﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي ومن هؤلاء الأعراب الجهلاء من يعدُّ ما يصرفه في سبيل الله ويتصدق به غرامة وخسراناً، لأنه لا ينفقه احتساباً فلا يرجو له ثواباً ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي ينتظر بكم مصائب الدنيا ليتخلص من أعباء النفقة ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ جملة اعتراضية للدعاء عليهم أي عليهم يدور العذاب والهلاك ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم.
﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أي ومن الأعراب من يصدِّق بوحدانية الله وبالبعث بعد الموت على عكس أولئك المنافقين ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي ويتخذ ما ينفق في سبيل الله ما يقربه من رضا الله ومحبته ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾