يسرعون إسراعاً كالفرس الجموح، والمراد من الآية تنبيه المؤمنين إِلى أنَّ المنافقين لو قدروا على الهروب منهم ولو في شر الأمكنة وأخسها لفعلوا لشدة بغضهم لكم فلا تغتروا بأيمانهم الكاذبة أنهم معكم ومنكم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي ومنهم من يعيبك يا محمد في قسمة الصدقات ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ أي فإِن أعطيتهم من تلك الصدقات استحسنوا فعلك ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي وإِن لم تعطهم منها ما يرضيهم سخطوا عليك وعابوك، قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين فجاء إِليه رجل من المنافقين يقال له: "ذو الخويصرة" فقال: اعدل يا محمد فإِنك لم تعدل فقال صلى الله عليه وسلم: (ويلك إِن لم أعدل فمن يعدل؟)، الحديث.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا ءاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أي ولو أن هؤلاء الذين عابوك يا محمد رضوا بما أعطيتهم من الصدقات وقنعوا بتلك القسمة وإِن قلَّت، قال أبو السعود: وذكرُ اللهِ عز وجل للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله الرسول كان بأمره سبحانه ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي كفانا فضل الله وإِنعامه علينا ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ أي سيرزقنا الله صدقة أو غنيمة أخرى خيراً وأكثر مما آتانا ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ أي إِنا إِلى طاعة الله وإِفضاله وإِحسانه لراغبون، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره لكان خيراً لهم، قال الرازي: وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل وهو كقولك للرجل: لو جئتنا .. ثم لم تذكر الجواب أي لو فعلت ذلك لرأيت أمراً عظيماً.
مصارف الزكاة
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)﴾
ثم ذكر تعالى مصرف الصدقات فقال ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ قال الطبري: أي لا تنال الصدقات إِلا للفقراء والمساكين ومن سماهم الله جل ثناؤه والآية تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم، والفقير الذي له بُلْغة من العيش، والمسكين لا شيء له قال يونس: سألت أعرابياً: أفقيراً أنت فقال: لا بل مسكين وقيل: المسكين أحسن حالاً من الفقير، والمسألة خلافية ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ أي الجباة الذين يجمعون الصدقات ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم قوم من أشراف العرب أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتألف قلوبهم على الإِسلام، وروى الطبري عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإِنه لأبغض الناس إِلي، فما زال يعطيني حتى إِنه لأحب الناس إِلي ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي وفي فك الرقاب لتخليصهم من الرق ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ أي المديونين الذين أثقلهم الدين ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي المجاهدين والمرابطين وما تحتاج إِليه الحرب من السلاح والعتاد ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ أي الغريب الذي انقطع في سفره ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي فرضها الله جل وعلا وحددها ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بمصالح العباد، حكيم لا يفعل إِلا ما تقتضيه الحكمة قال ابن جزي: وإِنما حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها فاتصلت هذه في المعنى بآية اللمز في الصدقات.