ونفى العقل عنهم لكونهم لم ينتفعوا به في أمر الدين وإِن كان لهم عقول يدركون بها مصالح الدنيا.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا﴾ أي قل يا محمد: يا معشر اليهود والنصارى هل تعيبون علينا وتنكرون منا ﴿إِلا أَنْ ءامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إِلا إِيماننا بالله وبما جاء به رسل الله، قال ابن كثير: أي هل لكم علينا مطعنٌ أو عيبٌ إِلا هذا؟ وهذا ليس بعيبٍ ولا مذمة فيكون الاستثناء منقطعاً ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن الطريق المستقيم ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي هل أخبركم بما هو شرٌّ من هذا الذي تعيبونه علينا؟ ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي ثواباً وجزاءً ثابتاً عند الله، قال في التسهيل: ووضع الثوابَ موضع العقاب تهكماً بهم نحو قوله ﴿فبشرهم بعذابٍ أليم﴾ ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي طرده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي سخط عليه بكفره وانهماكه في المعاصي بعد وضوح الآيات ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ أي ومسخ بعضَهم قردةً وخنازير ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي وجعل منهم من عَبَد الشيطان بطاعته ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي هؤلاء الملعونون الموصوفون بتلك القبائح والفضائح شرٌّ مكاناً في الآخرة وأكثر ضلالاً عن الطريق المستقيم، قال ابن كثير: والمعنى يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله وإِفراده بالعبادة دون ما سواه كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ قال القرطبي: ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إِخوة القردة والخنازير فنكّسوا رءوسهم افتضاحاً وفيهم يقول الشاعر:
فلعنة الله على اليهود إِن اليهود إِخوةُ القرود
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا ءامَنَّا﴾ الضمير يعود إِلى المنافقين من اليهود أي إِذا جاءوكم أظهروا الإِسلام ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أي والحال قد دخلوا إِليك كفاراً وخرجوا كفاراً لم ينتفعوا بما سمعوا منك يا محمد من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ والزواجر ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي من كفرهم ونفاقهم وفيه وعيد شديدٌ لهم.
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي وترى كثيراً من اليهود يسابقون في المعاصي والظلم ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي أكلهم الحرام ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس أعمالهم القبيحة تلك الأخلاق الشنيعة ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ أي هلاّ يزجرهم علماؤهم وأحبارهم ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ﴾ أي عن المعاصي والآثام وأكل الحرام ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي بئس صنيعهم ذلك تركهم النهي عن ارتكاب محارم الله، قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية -يعني على العلماء- وقال أبو حيان: تضمنت هذه الآية توبيخ العلماء والعبَّاد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله وأنشد ابن المبارك:
وهلْ أفسَد الدِّينَ إِلا الملو كُ وأحبارُ سَوْءٍ ورهبانها
من أقبح أقوال اليهود، وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم، وجزاء إيمان أهل الكتاب
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي