ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي ومن أراد بعملهِ أجر الدنيا أعطيناه منها وليس له في الآخرة من نصيب، وهو تعريض بالذين رغبوا في الغنائم، فبيّن تعالى أن حصول الدنيا للإِنسان ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبر والفاجر ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي ومن أراد بعمله أجر الآخرة أعطيناه الأجر كاملاً مع ما قسمنا له من الدنيا كقوله ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا بحسب شكرهم وعملهم.
﴿وَكَأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي كم من الأنبياء قاتل لإِعلاء كلمة الله وقاتل معه علماء ربانيون وعُبَّاد صالحون قاتلوا فقُتل منهم من قتل ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي ما جنبوا ولا ضعفت هممهم لما أصابهم من القتل والجراح ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ عن الجهاد ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي ما ذلّوا ولا خضعوا لعدوهم ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ أي يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله.
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي ما كان قولهم في الدين مع ثباتهم وقوتهم إِلا طلب المغفرة من الله ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ أي وتفريطنا وتقصيرنا في واجب طاعتك وعبادتك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي ثبتنا في مواطن الحرب ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي انصرنا على الكفار ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ أي جمع الله لهم بين جزاء الدنيا بالغنيمة والعز والظفر والتمكين لهم بالبلاد وبين جزاء الآخرة بالجنة ونعيمها ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يحب من أحسن عمله وأخلص نيته، وخص ثواب الآخرة بالحسن إِشعاراً بفضله وأنه المعتد عند الله.
التحذير من طاعة الكافرين
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي يردوكم إِلى الكفر ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ أي ترجعوا إلى الخسران، ولا خسران أعظم من أن تتبدلوا الكفر بالإِيمان، قال ابن عباس: هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أُحد لو كان نبياً ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إِلى إِخوانكم.
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ بل للإِضراب أي ليسوا أنصاراً لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره.
ثم بشر تعالى المؤمنين بإِلقاء الرعب في قلوب أعدائهم فقال ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي سنقذف في قلوبهم الخوف والفزع ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي بسبب إِشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان ﴿وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ أي مستقرهم النار ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ أي بئس مقام الظالمين نار جهنم، فهم في الدنيا مرعوبون وفي الآخرة معذبون وفي الحديث (نصرت بالرعب مسيرة شهر).