يَشَاءُ} أي يقوّي بنصره من يشاء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ أي لآية وموعظة ﴿لأُوْلِي الأبْصَارِ﴾ أي لذوي العقول السليمة والأفكار المستقيمة. ومغزى الآية أن القوة المادية ليست كل شيء، وأن النصر لا يكون بكثرة العَدد والعتاد، وإِنما يكون بمعونة الله وتأييده كقوله ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160].
اغترار الناس بشهوات الدنيا
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
ثم أخبر تعالى عن اغترار الناس بشهوات الحياة الفانية فقال ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ﴾ أي حُسِّن إِليهم وحُبّب إِلى نفوسهم الميل نحو الشهوات، وبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، والالتذاذ بهن أكثر وفي الحديث (ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء) ثم ذكر ما يتولد منهن فقال ﴿وَالْبَنِينَ﴾ وإِنما ثنّى بالبنين لأنهم ثمرات القلوب وقرة الأعين كما قال القائل:
وإِنما أولادنا بيننا أكبادُنا تمشي على الأرض
لو هبَّت الريح على بعضهم لامتنعتْ عيني عن الغَمْض
وقُدّموا على الأموال لأن حب الإِنسان لولده أكثر من حبه لماله ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالأنْعَامِ﴾ أي الأموال الكثيرة المكدَّسة من الذهب والفضة، وإِنما كان المال محبوباً لأنه يحصل به غالب الشهوات، والمرء يرتكب الأخطار في تحصيله قال تعالى: ﴿وتحبون المال حباً جماً﴾ والذهب والفضة أصل التعامل ولذا خُصَّا بالذكر ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ أي الأصلية الحسان ﴿وَالأنْعَام﴾ أي الإِبل والبقر والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة ﴿وَالْحَرْثِ﴾ أي الزرع والغراس لأن فيه تحصيل أقواتهم ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي إِنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتُها الفانية الزائلة ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي حسن المرجع والثواب.
الجنات خير من الدنيا وما فيها
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ (17)﴾
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي قل يا محمد أأخبركم بخيرٍ ممّا زُيِّن للناس من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها الزائل؟ والاستفهام للتقرير ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أي للمتقين يوم القيامة جناتٌ فسيحات تجري من خلال جوانبها وأرجائها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين فيها أبد الآباد ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي منزهةٌ عن الدنس والخبث، الحسي والمعنوي، لا يتغوَّطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن، ولا يعتريهن ما يعتري نساء الدنيا ﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ﴾ أي ولهم مع ذلك النعيم رضوانٌ من الله وأيُّ رضوان، وقد جاء في الحديث (أُحلُّ عليكم رضواني فلا