( .... ووصلت دمشق ظهر اليوم التالي، ولم أعرف مكان الجثمان إلا من انقطاع حركة المواصلات في شارع مدحت باشا. وسرعان ما ابتلعني موكب الجنازة العزيزة كقطرة الماء لامست السيل الهادر، الذي ما لبث أن ملأ شارع الحميدية حتى قلب الجامع الأموي .. وأبت دمشق الوفية المؤمنة أن تحمل السيارة جسد البطل الذي طالما هز منابرها وأثار عزائمها وحفز شبابها لاستعادة مكانتها في خدمة الإسلام، وتحرير أرض الإسلام، فإذا هي تتداول نعشه على الراح حتى المقبرة، التي ضمت من قبله أجساد الأباة من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وتابعي تابعيهم من أعلام الهداة.
وفي غمرة الأنين والنشيج وانطلاقات الأصوات المؤمنة بشعارات السماء، التي وقف الفقيد حياته الغالية على تركيزها وتحقيقها، والتي بذل في نصرتها آخر أنفاسه في لحظاته الأخيرة .. وجدتني أتساءل وأتذكر.
أتساءل عن السر الذي يحفز هذه السيول من الجموع على تحمل الحر والزحام طوال ساعات، لا تفارق الموكب الحزين حتى تودع الثرى جثمان الرجل، الذي زحفت لتشييعه من أنحاء القطر السوري، ومن كل بلد مجاور اتسع وقته وظروفه للمشاركة في هذا التشييع؟
أتقديراً لعلم الفقيد .. وقد كان من العلم في المكان المرموق .....
أتعظيماً لجاه ناله من الدنيا!!!!!؟ وقد كان له الجاه الذي يغبطه عليه الكثيرون من أهل الدنيا ؟
أم تزلفاً إلى قوم من الأحياء يبتغون لديهم المنفعة بهذه المشاركة!!!!؟ ولكن كثيراً من العلماء الكبار يموتون كل يوم .. فما يكاد يحس بهم أحد .. وأكثر من هؤلاء أصحاب الجاه الذين تسنموا بالحق أو بالباطل أرفع المنازل، ثم ذهبوا من هذه الدنيا أذلة لا يكاد يذكرهم أحد، إلا عند تعداد السيئات .. وتوزيع اللعنات ؟
وأما المنفعة فهي أبعد الأشياء عن هذه المناسبة .. بل لعل ضررها على المشارك فيها هو الشيء الطبيعي، الذي لا ينبغي أن نتوقع سواه.
والحق الذي يحسه كل ذي ضمير، ويدركه كل ذي تفكير، هو أن هذه الآلاف المؤلفة إنما زحفت ونصبت وصبرت تمجيداً للفكرة التي دفع السباعي حياته كلها ثمناً لها، وأذاب قلبه الكبير وقوداً لاستبقاء وهجها، في إخلاص لله لم يشبه مطمع دنيوي، وجهاد للحق لم يستهدف سوى تحرير الوطن الإسلامي من سلطان الطغيان أياً كان مصدره، وتحريراً للفكر العربي والإسلامي من كل استعباد مهما يكن أثره ومؤثره.
والإخلاص لله، والجهاد في سبيله، كانا وانفكا في تاريخ هذه الأمة مبعث العزة، ومنطلق الخلود .. وصدق الفاروق أمير المؤمنين إذ يهتف في وجه أبي عبيدة أمين هذه الأمة:
" ... نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما نبتغ العزة بغيره أذلنا الله ".
ألا فليت المخدوعين بمغريات الدنيا، المتفانين على سكرتها المسمومة، يفطنون لهذه الحقيقة فيصونوا جباههم من تراب الهوان، ويرتفعوا بأنفسهم ونواياهم وأعمالهم إلى المستوى الذي يفرضه الإيمان، ليستحقوا مثل هذا المصير الذي انتهى