تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً. كان ذلك في الكتاب مسطوراً}. .

وقرر في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي ولاية تتقدم على قرابة الدم، بل على قرابة النفس!: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾. . وقرر الأمومة الشعورية لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لجميع المؤمنين: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾. .وولاية النبي صلى الله عليه وسلم ولاية عامة تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها، وأمر المؤمنين فيها إلى الرسول عليه صلوات الله وسلامه ليس لهم أن يختاروا إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».

وتشمل مشاعرهم فيكون شخصه صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم. فلا يرغبون بأنفسهم عنه؛ ولا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته! جاء في الصحيح: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» وفي الصحيح أيضاً «أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إليّ من كل شيء حتى من نفسي. فقال صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر»

وليست هذه كلمة تقال، ولكنها مرتقى عال، لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء؛ الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب. فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حباً فوق ما يتصور، وفوق ما يدرك! وإنه ليخيل إليه أحياناً أنه طوّع مشاعره، وراض نفسه، وخفض من غلوائه في حب ذاته، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها، حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! ويحس لهذه المسة لذعاً لا يملك انفعاله معه، فإن ملكه كمن في مشاعره، وغار في أعماقه! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها؛ ولكنه يصعب عليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيراً لها، أو عيباً لشيء من خصائصها، أو نقداً لسمة من سماتها، أو تنقصاً لصفة من صفاتها.

في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 82)

وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله صلى الله عليه وسلم وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملاً، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادراً على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيباً طويلاً لربط النفوس بالله ولبيان علاقة المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم. . كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمر الله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٤٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٤٠٩