والدهم الشيخ محمود الحامد شيخ الطريقة النقشبندية في بلده موضع التقدير والتوقير من أهل حماة، قليل ذات اليد يعيش مع أسرته على مورده الضئيل من الكتاب، الذي كان يعلم فيه الأطفال، وقد شاء الله أن يدركه الأجل ولما يتجاوز المترجم السادسة من سنيه، وفي السنة التالية تبعته الوالدة، فكان على هؤلاء الثلاثة أن يذوقوا مرارة اليتم من الأبوين، والحرمان من أهم الضروريات التي يحتاج إليها أمثالهم، وبخاصة في ذلك العهد الذي بلغت فيه الحرب العالمية الأولى ذروتها، ولم يكن بينهم من يصلح للتكسب إذ كان أكبرهم في الخامسة عشرة، وكلهم في نطاق الدراسة، ومن هنا رأى بعض أقربائهم أن يتدبروا أمرهم بما هو خير لهم، فباعوا أثاث المنزل، ثم أجروه لمدة طويلة، وأودعوا ذلك أمانة عند بعض الثقات لينفق عليهم منها، بعد أن سلموا كبيرهم حصته ليستعين بها في دراسته ومعيشته، وضم اليتيمان الآخران إلى بعض الأسر الفقيرة يعيشان معها في بيوتها الطينية، ومع أولادها الغارقين في الجهل والإهمال، مقابل أجور محدودة تدفع إليها من مدخراتهم القليلة.
ويصف المترجم رحمه الله أوضاعهما تلك بقوله: (كنا كثيراً ما نبقى في المدرسة أثناء فرصة الغداء دون طعام، حتى إن أخي كان يبكي أحياناً من شدة الجوع، على حين أشغل نفسي باللعب عن آلام الحرمان).
وبإزاء هذا البؤس اضطر أخوهم بدر الدين إلى قطع دراسته ليسعى في طلب الرزق لمساعدتهما وتعليمهما، ولا سيما بعد أن أوشك ما لهما على النفاد فكان لهما بمثابة الأم والأب
على أن هذا المأزق الصعب لم يقطع اليتيمين عن الدراسة، فقد حزم بدر الدين عزمه على تعليمهما مهما لقي في ذلك من العنت، وقد ركز اهتمامه بوجه خاص على محمد، لما كان يبدو عليه من ملامح الذكاء والاجتهاد، وبخاصة بعد أن رأى تفوقه على سائر رفاقه، وهكذا أتيح له أن يتنقل من صف إلى آخر من المدرسة الابتدائية، حتى فرج الله كربة الحرب، وعين بدر الدين معلماً في العام 1920، فكان في راتبه متسع لتوفير حياة أيسر لهم جميعاً .. وكان المأمول أن يتابع محمد دراسته بعد إنهائه المرحلة الابتدائية في القسم الإعدادي، بيد أنه لم ينسجم مع ذلك الجو الجديد، وظل متطلعاً إلى إيثار التعليم الشرعي في حلقات الشيوخ، فاستجاب له أخوه، وألحقه بدكان خياطة فكان يعمل فيها نهاره، فإذا جاء المساء قصد إلى دروس العلماء في المساجد، واستمر على ذلك حتى افتتحت مدرسة (دار العلوم الشرعية) فما لبث أن هجر الخياطة إليها، مع استمراره على حضور تلك الحلقات.
وكان رحمه الله يعتبر مرحلته في (دار العلوم الشرعية) أسعد أيام حياته، إذ وجد فيها وفي دروس المساجد ري ظمأه إلى العلم. ويحدث رحمه الله عن شيوخه في هذه المرحلة فيذكر منهم خاله العلامة السلفي الشيخ سعيد الجابي، الذي بتوجيهه أخذ طريقه إلى العلم الديني، وإلى حفظ كتاب الله، ثم شيخ الشافعية بحماة محمد توفيق الصباغ، وكان مدير الدار، ويصفه بالحنو على طلابه والاهتمام الكبير في تعليمهم، ثم العلامة مفتي حماة الشيخ محمد سعيد النعساني، الذي يقول عنه إنه ذو الباع الطويل في العلوم والمعارف، والحرص الشديد على السمو بهمة طلابه إلى معالي