السمك في البحر، أو في النهر، أو في حظيرة لا يؤخذ منها إلا باصطياد، وسواء أكان الغرر في المبيع أو في الثمن.
ومن البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر: بيع المضامين والملاقيح، وبيع الملامسة والمنابذة والحصاة، وبيع ضربة القانص (بأن يقول البائع: بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة بكذا) وضربة الغائص (بأن يقول: أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلئ، فهو لك بكذا) فالمبيع في الأنواع الخمسة الأخيرة مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها، وهي من بيوع الجاهلية.
ومنها بيع المزابنة: وهو بيع الرطب أو العنب على النخل أو الكرمة بتمر مقطوع، أو زبيب مثل كيله خرصاً أي بتقديره حَزْراً أو تخميناً. وبيع المحاقلة: أي بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن المزابنة والمحاقلة" متفق عليه لما في ذلك من الربا لجهالة مقدار المبيع، إذ أنه كما هو معلوم يشترط التماثل حقيقة في الأموال الربوية. لكن للحاجة رخص الشافعية والحنابلة، وفي الراجح عند المالكية بيع العرايا: وهو عند الشافعية بيع الرطب على النخل خرصاً بتمر في الأرض كيلاً، أو بيع العنب على الشجر خرصاً بزبيب في الأرض كيلاً، فيما دون خمسة أوسق بشرط التقابض في المجلس عند الفقهاء ما عدا المالكية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا متفق عليه. وأما الحنفية فقد أجازوا بيع العرايا للضرورة فقط.
ويلاحظ أن هذه البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر، منها الباطل، ومنها الفاسد في اصطلاح الحنفية، فالفاسد منها فقط: هو بيع ضربة القانص والغائص والمزابنة والمحاقلة والملامسة والمنابذة وبيع الحصاة، وبيع ثوب من أثواب ونحوها مما فيه جهالة. وأما ماعداها فهو باطل. فبيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة باطل، لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه، ولما فيه من الغرر، كما بينا في بحث بيع المعدوم.
والدليل على عدم صحة بيع الغرر في الجملة: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر"، ولأنه غير مقدور على تسليمه، وفيه جهالة فاحشة بمحل العقد أو بمقدار المبيع، ولأنه غير مملوك للبائع محل العقد.
الغرر اليسير: الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعاً كالطير في الهواء. وقليل جائز إجماعاً كأساس الدار وقطن الجبة. ومتوسط اختلف فيه: هل يلحق بالأول أو الثاني، فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير، ألحق بالقليل. وقد أجاز الحنفية بيع ما يشتمل على غرر يسير، كالأشياء التي تختفي في قشرها كالجوز واللوز والفستق والباقلاء الأخضر، والأرز والسمسم في قشرها الأعلى، والحنطة في سنبلها، والبطيخ والرمان على أن يكون للمشتري خيار الرؤية كما سيأتي بيانه في بحث هذا الخيار.
أما المالكية والحنابلة فقد أجازوا مطلقاً كل ما فيه غرر يسير، أو التي تدعو إليه الضرورة، كهذه الأشياء التي ذكرناها.
وأما الشافعية: فإنهم أجازوا بيع هذه الأشياء في قشرها الأسفل. أما بيعها بقشرها الأعلى فاختلفوا فيه على رأيين مشهورين في المذهب.