والنية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء لتتميز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى، لأن الصلاة عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم النية. ودل الحديث المعروف على إيجابها أيضاً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِ امرئ ما نوى" متفق عليه، فلا تصح الصلاة بدون النية بحال.
وكمال النية أن يستشعر المصلي الإيمان، وينوي التقرب إلى الله بالصلاة، ويعتقد وجوبها وأداءها في ذلك اليوم، ويعينها، وينوي عدد ركعاتها، وينوي الإمامة أو المأمومية (الاقتداء) أو الانفراد، ثم ينوي تكبيرة الإحرام.
والواجب باتفاق الفقهاء استصحاب حكم النية دون حقيقتها، بمعنى أنه لا ينوي قطعها، فلو ذهل عنها وعزبت (غابت عنه) في أثناء الصلاة، لم يضر.
شروط النية: وشروط النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي.
مقارنة النية للتكبير: ويشترط اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي عند الحنفية بين النية والتكبيرة، والفاصل عمل لا يليق بالصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك، أما إذا فصل بينهما بعمل يليق بالصلاة كالوضوء والمشي إلى المسجد، فلا يضر، فلو نوى، ثم توضأ أو مشى إلى المسجد، فكبر، ولم تحضره النية جاز، لعدم الفاصل الأجنبي، بدليل إن أحدث في الصلاة، له البناء عليها بعد تجديد الوضوء.
ويندب اقتران النية بتكبيرة الإحرام، خروجاً من الخلاف، ولا يصح أن تتأخر النية عن التحريمة في الصحيح.
وكذلك يجوز تقديم النية في الحج، فلو خرج من بيته يريد الحج، فأحرم ولم تحضره النية، جاز. وكذلك الزكاة تجوز بنية وجدت عند الإفراز.
ولا تجزئ النية المتأخرة عن التكبير في الصلاة، أما الصوم فيجوز تأخيرها عند البدء به للضرورة، ولا ضرورة في الصلاة.
وقال الحنابلة: الأفضل مقارنة النية للتكبير، خروجاً من خلاف من أوجبه، فإن تقدمت النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة، ولم يفسخها، وكان ذلك مع بقاء إسلامه، بأن لم يرتدّ، صحت صلاته، لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً، ولأن النية من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط، وفي طلب المقارنة حرج ومشقة، فيسقط لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: 78]، ولأن أول الصلاة من أجزائها، فكفى استصحاب النية فيه كسائرها.
وقال المالكية: يجب استحضار النية عند تكبيرة الإحرام، أو قبلها بزمن يسير.
وقال الشافعية: يشترط اقتران النية بفعل الصلاة، فإن تراخى عنه سمي عزماً، ولو قال: "نويت أصلي الظهر، الله أكبر، نويت" بطلت صلاته، لأن قوله "نويت" بعد التكبيرة كلام أجنبي عن الصلاة، وقد طرأ بعد انعقاد الصلاة، فأبطلها.
تعيين المنوي: ويشترط تعيين نوع الفرض الذي يصليه باتفاق الفقهاء، كالظهر أو العصر، لأن الفروض كثيرة، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر.