والاجتماعية، وما يشيع فيها من نواحي الضعف والفساد وما يدور فيها من عوامل القوة والنشاط، فجعل هذه الدراسات أساسًا لدعوته الإصلاحية.
سجل الكواكبي نتائج دراسته لأحوال المسلمين في زمانه في كتابين له هما: (طبائع الاستبداد) و (أم القرى) وكان الكواكبي يحاول دائمًا أن يجمع شمل الأمة الإسلامية لتكون قوة هائلة ترهب المستبدين، وكان يرى أنه بالعلم وحده يمكن أن يعرف الناس أن الحرية أفضل من الحياة نفسها وأكرم، وأن الشرف أعز من المنصب والمال.
كما كان يحارب البدع ويرى أنها مرض يجب مداواته، فيقول عن أصحاب البدع الذين شوهوا صورة الإسلام: (فمنهم الذين استبدلوا بالأصنام القبور، فبنوا عليها المساجد والمشاهد، وأرخوا عليها الستور، يطوفون حولها مُقَبِّلين مُسْتَلِمِين أركانها).
وكان الكواكبي كريم الخلق حتى قيل عنه: إنه مؤدب اللسان، لا تؤخذ عليه هفوة، يزن الكلمة قبل أن ينطق بها وزنًا دقيقًا، هادئ في حديثه، إذا قاطعه أحد سكت، وانتظر حتى يتم حديثه، ثم يصل ما انقطع من كلامه، نزيه النفس لا يخدعه مطمع، ولا يغريه
منصب، شجاع فيما يقول ويفعل، متواضع للبائسين والفقراء يقف دائمًا بجانب الضعفاء حتى لقبوه بأبي الضعفاء، فكان شعاره:
أَنَا إِنْ عِشْتُ لَسْتُ أَعْدَمُ قُوتًا وَإِذَا مِتُّ لَستُ أَعْدَمُ قَبْرَا
فَعَلاَمَ أُذِلُّ لِلنَّاسِ نَفْسِي وَعَلامَ أَخَافُ زَيْدًا وَعُمَرَا
هِمَّتِي هِمَّةُ الكِبَارِ وَنَفْسِي نَفْسُ حُرٍّ تَرَى المَذَلَّةَ كُفْرَا
وجاءت نهاية رائد الحرية والوعي الإسلامي في الشرق العربي؛ ففي مساء الخميس من شهر ربيع الأول سنة 1320هـ الموافق 14 يونيو سنة 1902م فارق عبد الرحمن الكواكبي الحياة؛ فأمر الخديوي عباس بدفنه على نفقته الخاصة، ورثاه الكتاب، والشعراء والمفكرون
================
محمد بن عبد الوهاب
في قرية (العيينة) من قرى (نجد) شمال غرب مدينة الرياض، ولد (محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي النجدي) في عام 1115هـ ونشأ بين أحضان أسرة صالحة، تقتدي في أفعالها برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتهتدي بسنته، وكان والده قاضيًا في بلدة العيينة، فقام بتحفيظ ولده الصغير القرآن الكريم، وعلمه الفقه، فنشأ (محمد) نشأة صالحة، واجتهد في الدراسة، وأخذ يحفظ كثيرًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما كبر اشتاق إلى زيارة بيت الله الحرام، وهناك تتلمذ على بعض علماء الحرم الشريف، ثم توجه إلى المدينة المنورة، واجتمع بعلمائها وشيوخها وتعلم على أيديهم، ثم عقد (محمد بن عبد الوهاب) العزم على السفر إلى (العراق) لطلب العلم.
وفي مدينة (البصرة) كانت بداية دعوته إلى جميع المسلمين أن يأخذوا دينهم من كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودعا في جرأة العالم المسلم الذي يحاول أن يبعد عن دينه كل ما التصق به من خرافات ومبتدعات، مما عرضه لثورة بعض علماء البصرة، الذين اجتمعوا لمحاربته وإيذائه، فخرج حزينًا مهمومًا إلى