ثم إن إبراهيم بن عبد الحميد اتفق هو وابن العرجي واقتسما المغرب بينهما نصفين لكل واحد منهما ما يليه ورجع عن مذهب القرامطة وكان أبوه من كبار قواد المنصور وأصله من قدم من حمير وكان أبوه قتل في مخلاف البياض لأن المنصور كان أخرجه إلى هناك بالعساكر ثم إن إبراهيم بنى في بيت ريب مسجدا ونصب منبرا وخطب لأمير المؤمنين من بني العباس وكاتب الأمير أبا الحسن بن إبراهيم بن زياد وبذل له من نفسه السمع والطاعة والدخول في الخدمة وسأله أن يبعث إليه محاصر من قبله يكون عنده فأرسل رجلا يقال له السراج وقال له: إذا تمكنت قبضت على إبراهيم بن عبد الحميد فوصل من زبيد ولقيه إبراهيم بن عبد الحميد إلى بيت ريب وطلع إبراهيم بن عبد الحميد إلى الحصن في رأس الجبل وكان ينزل إليه كل يوم يصحبه ويعظم حقه ثم إن السراج عامل على إبراهيم ناسا من أهل الجبل فنزل إليه يصحبه فلقيه رجل من العاملين فأخبره بالمعاملة فرجع إلى حصنه فضرب الطبول فاجتمع إليه الناس ومن كان فيه من أهل دولته فدخل على السراج فقبض عليه فأمر بحلق لحيته ونفاه عن بلده وانقطعت المكاتبة بينه وبين ابن زياد واستمر أمره وجعل يتتبع القرامطة يقتلهم ويسبي ذراريهم فبقي منهم قليل في ناحية جبل مسور فأقاموا قرمطيا منهم يقال له ابن الطفيل فسمع به إبراهيم بن عبد الحميد فخرج إليه فقتله وتفرق من بقي من أصحابه إلى نواحي عمان وقطاية وانكتم أمرهم عن إبراهيم.
ثم إنهما أقاموا ناموسهم برجل يقال له ابن رحيم وذلك في أيام المنتاب بعد موت أبيه إبراهيم وكان ابن رحيم هذا لا يستقر في موضع واحد خوفا من المنتاب ومن المسلمين وهو يكاتب بني عبيد وذلك بعد خروج المعز من القيروان إلى بلاد مصر عند بناءه القاهرة المنسوبة إليه فلم يزل ابن رحيم يكاتب أهل مصر المعز ومن بعده وينهي أخبار أهل اليمن حتى مات لا رحمه الله. واستخلف على من بقي من القرامطة لعنهم الله رجلا يقال له يوسف بن الأمشح من أهل شبام حمير فأقام لعنه الله يدعوا إلى الحاكم ويبايع له على وجه السر حتى مات لعنه الله.
واستخلف على مذهبه رجلا يقال له سليمان [3] عبد الله الزواحي من حمير من ضلع شبام من موضع يقال له الحفن فأقام يدعوا إلى الحاكم وإلى المستنصر وكان الملعون كثير المال عظيم الجاه فاستمال الرعاع والطغام إلى مذهبه وكان في أيامه قد شهر نفسه بالمباعية لأهل مصر من بين عبيد بن ميمون الملعون وقد كان عرف بذلك ونسب إليه فكل ما هم به المسلمون من حمير وشبام وما حوله من القبائل دفعهم بالجميل و وقال لهم أنا رجل مسلم فكيف يحل لكم قتلي فينتهون عنه.
وكان فيه كرم نفس وكان يكرم الناس ويتلطف بهم فلم يزل كذلك حتى مات لا رحمه الله.
باب ذكر ابتداء دولة الصليحيين:
وكان هذا الصليحي المسمى علي بن محمد كثير الخلطة به والمعاشرة وكان أحظى من عنده وأطوع أهل مذهبه له وكان يأتيه من بلد الأخروج وهو سبع من أسباع حراز وكان الصليحي الملعون شهما شجاعا مقداما فلما عرفه سليمان بذلك وحضرته الوفاة لا رحمه الله أوصاه بأهل مذهبه وأمرهم بالسمع والطاعة وسلم إليه مالا كثيرا قد كان جمعه من أهل مذهبه ثم إن الصليحي الملعون أرسل إليه القرامطة من أوطان