تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالذين اتهموا الحجاج بفساد نيته، وأنه قاتل ابن الزبير، واستحل الحرم من أجل أن يكون أميرًا على العراق، هل يستطيع هؤلاء أن يقولوا ذلك عن عمرو بن الزبير؟ وقد فعل نفس ما فعله الحجاج!!

أجزم بأنهم لا يمكن أن يقولوا ذلك، لا تورّعًا عن اتهام عمرو بن الزبير في نيته فقط، بل لدليل قاطع لا يجدون له دفعًا، فقد ثبت أنه حين حضرت الصلاة قبل أن ينشب القتال بين ابني الزبير، حينما حضرت الصلاة تقدم عمرو بن الزبير فأم الناس، وصلى وراءه أخوه عبد الله ابن الزبير. فهل كان عمرو بن الزبير فاسد النية، يتوصل بالقتال في الحرم إلى الحظوة والمنزلة عند بني أمية؟؟

إن قلتم ذلك، فقد اتهمتهم عبد الله بن الزبير أيضًا، فكيف يصلي وراء فاسد النية الذي يبيع دينه بدنياه، كيف يصلي خلف من يقول: سنقاتله ولو في جوف الكعبة!!؟

قلتُ: لسنا هنا (الآن) للنصل بين ابن الزبير وعبد الملك في استحقاق الخلافة، ولا في الحكم على أعمال الحجاج وقتله وقتاله، ولكن كل همُّنا أولا: براءة الحجاج من فساد النية والاستهانة بحرم الله.

(لِمَ يَضْرب الكعبةَ بالمنجنيق؟)

صار كل من يكتب في التاريخ في عصرنا هذا يذكر ضرب الحجاج للكعبة بالمنجنيق، ويخرج هذا القول مخرج الخبر الثابت الذي لا شك فيه، ومن هنا لا يكلف نفسه بمناقشة الخبر، والنظر في صحته أو سقمه، بل صار هناك منهج عجيب، يجعل شيوع الخبر على ألسنة العامة دليلاً على صحته، وعلى هذا المنهج جرى معظم الأدباء حينما يتناولون التاريخ بأسلوب القصة أو المسرحية، ولذا رأينا قضية ضرب الكعبة بالمنجنيق - لبشاعتها - مجالاً للتصوير بأقلام الأدباء، والتلوين ببراعتهم وفنهم، ويُعرض هذا بأبلغ صوره، وأفظع هيئة على المشاهدين، فتقشعر لها الأبدان، وتغلي النفوس، ويبوء الحجاج بما يستحقه بسبب هذا الجرم الشائن، وهو بالقطع بريء من هذا.

شيخ الإسلام ينفي هذا

يقول شيخ الإسلام بن تيمية: "ومن قال إن أحدًا من خلق الله قصد رمي الكعبة بمنجنيق أو عذرة، فقد كذب، فإن هذا لم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام، والذين لا يحترمون الكعبة كأصحاب الفيل والقرامطة لم يفعلوا هذا، فكيف بالمسلمين الذين يعظمون الكعبة!! ولما قُتل ابن الزبير، دخلوا بعد هذا إلى المسجد الحرام، فطافوا بالكعبة، وحج بالناس الحجاجُ بن يوسف ذلك العام، وأمره عبد الملك بن مروان ألا يخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج، فلو كان قصدهم بالكعبة شرًّا، لفعلوا ذلك بعد". انتهى كلام شيخ الإسلام بنصه.

وهذا هو الكلام الذي يقتضيه عقل العقلاء المنصفين، ولا يُمليه تحامل المتحاملين، وبغضاء المبغضين.

فلو قصد الحجاج الكعبة بالمنجنيق، وضربها من هذا الارتفاع الشاهق، من فوق جبل أبي قبيس، فهل كان يبقى منها حجر فوق حجر - والعياذ بالله - وهل يقبل العقل أن مسلمًا يصلي الخمس مستقبل القبلة يفعل هذا؟ ولو فرضنا جدلاً أن الحجاج انسلخ من الدين - حاشاه - وأراد بالكعبة شرًّا، فهل كان جنوده وأركان حربه كلهم مثله؟ أيقبل

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤٧