تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بداية لازدهار الحضارة التي اندثرت في تلك البلاد»، ولم يُخف المؤرخون المحدثون هذه الحقيقة، فوصف إدوارد يور المؤرخ الفرنسي المعروف حادث الاستيلاء على الجزائر بأنه: «كان أول إسفين دُقَّ في ظهر الإسلام» (1).

وفي هذه الفترة المبكرة وبعد أن استقرت أقدامهم عمل الاحتلال الفرنسي على مصادرة الأوقاف وإغلاق مراكز التعليم بالمساجد والكتاتيب، وإذا ما سمحوا بالتعليم ورخصوا بالكتاتيب ـ على قلة ذلك ـ «فمن شروط الترخيص ألا يُدرَّس تفسير القرآن، أو تاريخ الجزائر ... » (2).

وفي القضاء انتزع الفرنسيون تدريجياً اختصاصات المحاكم الشرعية وحولوها إلى محاكمهم المدنية.

كما عمل (جنرالات الجيش الفرنسي) وسياسيوه بالتعاون مع (رجال الدين المسيحي) على استنبات بذور تغريبية جزائرية النسب وفرنسية الولاء، فاستمالوا في هذه المرحلة المبكرة بعض مشايخ الطرق الصوفية ورجال الزوايا والأعيان وأشباه الفقهاء ممن أنابهم الاحتلال عنه، فشرع الاحتلال ينظم لهم الرحلات إلى فرنسا، وربما أقدم على تسريب الفتيات الفرنسيات زوجات لبعضهم مؤثِّرات وجاسوسات، فتحولت بعض هذه الزوايا وأصحابها إلى بؤر لترويج التغريب وتشويه الدين ومسالمة الاستعمار معتبرة إياه (قضاءً وقدراً)؛ حيث أفتى بعضهم بقبول الاحتلال كقدر. أما من جهة المقاومة: فقد بايعت بعض القبائل عام 1832م (1248هـ) الأمير عبد القادر على الأساس الديني (للجهاد ضد الكفار) فاتخذ لقب أمير المؤمنين ودعا القبائل لطاعته بدافع الدين، وأطلق على الأراضي المحتلة اسم (دار الكفر) وعلى البلاد التابعة له (دار الإسلام).

ولكن في الوقت نفسه استعان عبد القادر بالأوروبيين من مختلف الجنسيات لتدريب الجيش ولإقامة مصانع للذخيرة، وقرّب بعضهم، وقد اشتهر من بين هؤلاء المستشرق الفرنسي (!) ليون روش الذي اتخذه الأمير مستشاراً له بعد أن اعتنق الإسلام، فأقام عنده نحو أربع سنوات، وعندما انقطع الصلح بين الأمير وجيش الاحتلال سنة 1839م (1255هـ) رفض روش اتِّباع الأمير في استئناف القتال، واعترف له بأنه تظاهر باعتناق الإسلام، ومع ذلك فقد أخلى سبيله، ثم تبين بعد ذلك أنه كان جاسوساً.

ويقدم لنا الأمير عبد القادر الجزائري نموذجاً واضحاً لأثر العوامل المساعدة التي ذكرناها سابقاً (كالهزيمة النفسية وانحراف مفهوم القضاء والقدر، إضافة إلى البعثات والرحلات المنظمة والمقصودة) في التحول نحو القبول والميل تجاه التغريب والعلمنة، فهذا الأمير الذي قضى من عمره خمسة عشر عاماً في (جهاد الكفار) حدث له تحول كبير بعد ذلك؛ فبعد هزيمته العسكرية في آخر سنة 1847م (1263هـ) التي أعقبها إيقافه للقتال ثم غدر الفرنسيين به وأسره وترحيله إلى فرنسا .. أطلقه نابليون الثالث من الأسر «وأمر بنقله إلى (بروسة) من أملاك الدولة العثمانية، وأثناء مروره بباريس قدم تعهداً كتابياً بألا يفعل شيئاً ضد فرنسا.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٠١