تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان القرن التاسع عشر " واقعيا " فنبذ القيم التى سماها مثالية – بمعنى غير واقعية – واعتبرها ترفا عقليا لا تطيقه طبيعة الحياة ..

وكانت نتيجة ذلك هى القرن العشرين! قرن التفلت من القيود كلها، والهبوط إلى الحمأة التى يستعفف عنها الحيوان!

وذلك أمر معروف من التاريخ وإن جادلت فيه الجاهلية المعاصرة، وهى ليست أول جاهلية تجادل فى الحق وتنكر البديهيات! إن أى جيل من أجيال البشرية أنكر القيم الإنسانية لم يقف حيث كان يوم أنكرها، إنما ازداد هبوطا .. حتى أدركه الدمار!

ولنستعرض خط العلمانية مع الأخلاق من أوله لنعلم مدى الهبوط ..

ولنبدأ بالمفهوم الحقيقى للأخلاق، الذى كانت تؤمن به أوروبا ذات يوم ثم ظلت تتخلى عنه خطوة خطوة وهى تسير مع الشيطان.

إن الأخلاق " ميثاق " شامل .. يشمل كل أعمال الإنسان.

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾ [سورة الرعد 13/ 19 - 22]

والميثاق هو أصلا ميثاق مع الله، تتفرع منه وتندرج تحته جميع المواثيق:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء 4/ 58]

وأول الأمانات هى الأمانة المؤداة إلى الله، ثم تأتى بعدها جميع الأمانات التى أبرز سياق الآية منها الحكم بين الناس بالعدل ..

وعلى هذا الأساس يكون للسياسة أخلاق، وللاقتصاد أخلاق، وللاجتماع أخلاق، وللعلم أخلاق، ولكل شئ على الإطلاق أخلاق .. ولا يكون هناك شئ واحد فى حياة الإنسان بلا أخلاق ..

ومنشأ الأخلاق ليس هو الفرض من الخارج. فى صورة أوامر ونواه وزواجر من عند الله أو من عند غيره، إنما الله سبحانه وتعالى هو الذى يحدد ما هو حلال وما هو حرام، وما هو حسن وما هو قبيح، وما هو خير وما هو شر .. الخ فيتبعه المؤمنون التزاما بما أنزل الله، وأما غير المؤمنين فيستمدون ذلك كله من عند غير الله. وفى الحالين لا يكون هذا هو منشأ " الأخلاق " عند هؤلاء وهؤلاء .. إنما يكون فقط هو منشأ " المعايير " التى تضبط الأخلاق.

إنما تنشأ الأخلاق – كما قلنا منق بل فى أكثر من موضع فى الفصول السابقة – من طبيعة الإنسان ذاته، ومن أن له طريقين، وأن له القدرة على التمييز والاختيار بين الطريقين:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ [سورة الشمس 91/ 7 - 10]

ومن ثم فالقيمة الخلقية لاصقة بأعمال الإنسان بحكم طبيعته .. وإنما تختلف القيم باختلاف واضعها: هل هو اله أم هم البشر. فإن كانت من عند الله فهذه هى القيم الحقيقية الصالحة، لأنها من عند خالق الإنسان العليم به وبما يصلح له وما يصلحه:

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢٧٨