تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستغل الملوك هذه الحركات لحسابهم الخاص كما أسلفنا، لا يرى دون الإصلاح الديني الحقيقي ولا يرى دون للناس أن يستقيموا على دين صحيح فيخرجوا على طاعتهم! إنما رأوا فيها أداة تساعدهم على الإنسلاخ من سلطان الباب فاستغلوها في هذه الحدود

ولم يكن الملوك وحدهم وراء اللعبة، إنما كان وراءها كذلك اليهود، المتربصون لأية فرصة تسنح لهم للانتقال من النصاري الذي اضطهدوهم وأذلوهم على أساس أنهم تسببوا في صلب السيد المسيح " فلما قامت حركات تؤذن بتفريق كلمة النصاري وتشتيت سلطان الكنيسة، كان من صالحهم ولا شك أن يحتضنوها ويوجهوها خلسة أوعلانية لتوسيع الشقة بينها وبين الكنيسة الأصلية، وكل فرقة =- سواء قامت باسم الإصلاح أو بهدف الإفساد – هي في النهاية في صالح اليهود ما دامت لا تؤدي إلى إصلاح حقيقي! وإن صلة اليهود بالبروتستانتية بالذات لأمر معلوم لكل من يدرس تاريخ تلك الحركة وإن انكر تلك الصلة هؤلاء وهؤلاء

هكذا كان مولد القوميات في أوربا

حركات إصلاحية مبتورة غير ناضجة، أستغلها ذوو الأهواء لحسابهم الخاص، فأفسدوها وحولوها إلى اتجاه شرير.

إن القومية في ذاتها نزعة غير إنسانية، لا يتوقع أن ينشأ منها إلا الشر، إنها بادئ ذي بدء تحد عالم " الإنسان" فبدلا من أن يكون أفقه العالم والإنسان، إذا أفقه هو قومه، والرقعة الضئيلة من هذا العالم التي يسكن فيها قومه، وهي مصالح مادية يتعارك عليه ا مع غيره من الهابطين مثله إلى دركه، كالمصالح " التي يتعارك عليه ا الحيوان، من أرض وكلأ إذا كان من الضعاف أكله العشب، أو أرض وصيد إذا كان من الوحوش التي يفترس القوي منها الضعيف!

ثم إنها تقيم تجمعها على الأمور التي لاخيار فيها للإنسان .. من المولد في أرض معينة، والكلام بلغة الأرض التي ولد فيها، والمصالح المادية القاهرة، في الوقت الذي تنبذ فيه كل الأمور التي يكون للإنسان فيها الخيار، والتي يتفاضل فيها إنسان على إنسان بناء على ذلك الخيار .. تنبذ العقيدة في الله، التي يختار فيها الإنسان بين الإيمان والكفر، ويتفاضل الناس فيها على أساس الإيمان والكفر .. وتنبذ القيم المنبثقة من العقيدة، وهي نظافة المشاعر ونظافةا لسلوك مع الأصدقاء والاعداء سواء .. أي الصدق مع كل الناس، والأمانة مع كل الناس، والعدل مع كل الناس، ثم الحب في الله والبغض في الله (لا للمصالح الأرضية) أي الحب لمن هو جدير بالحب بالفعل بالمقاييس الانسانية الرفيعة، والبغض حقا بتلك المقاييس .. وهي القيم التي يختار فيها الإنسان بين الالتزام وعدم الالتزام. أي بين الرفعة والهبوط ..

أنظر في مقابل ذلك هذه الآية الكريمة من القرآن:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات 49/ 13]

فكون الناس شعوبا وقبائل، هذه حقيقة واقعة ملموسة، وهي من إرادة الله لأنه هو الذي " جعل " الناس كذلك، ولكن الله لم يشأ سبحانه أن ينحبس الناس في داخل شعوبهم وقبائلهم وينغلقوا في حدودها وهو ما تفعله القوميات والوطنيات بادئ ذي

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢١٣