تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما يكن من أمر فإن أوربا لم تعرف هذا اللون من التجمع في تاريخها كله، حتى بعد أن اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية – أو أدعي ذلك – وفرضها على الإمبراطورية كلها عام 325م

وقد كان المفروض حين تصبح الإمبراطورية مسيحية أن يجمعها ذلك اللون من التجمع الذي وحده الأمة الإسلامية فيما بعد، وصهر أجناسها وألوانها ولغايتها في كيان واحد متحد، ليس فيه اتباع ومتبوعون، بل فيه " مسلمون" على قدم المساواة

ولا شك أن دخول الإمبراطورية في المسيحية قد أنشأ – لفترة من الوقت – لونا من التجمع الشعوري .. وقد كان هذا هو هدف قسطنطين الحقيقي من دخوله المسيحية، فلم يكن همة " العقيدة" إما كان همه توحيد الإمبراطورية التي كانت توشك على التمزق والافتراق .. ولكن هذا التجمع لم يرتق قط إلى الصورة التي مارستها الأمة الإسلامية لأكثر من سبب واحد.

أحد الأسباب – أولعله السبب الرئيسي – أن الدين لم يصل إلى الأمبراطورية في صورته الكاملة، إنما وصل إليها - كما بينا في التمهيد الأول من هذا الكتاب – عقيدة مفصولة عن الشريعة، وقد كان لتلك العقيدة سلطانها على القلوب ولا ريب، ولكن لا يستوي الدينان: دين متكامل يحكم مشاعر القلب وواقع الحياة، ودين ممسوخ، يقبع في وجدانات الناس، وقد يحكم بعض سلوكهم الشخصي، ولكنه عاجز عن حكم الواقع العملي للناس، يستكبر عنه الأباطرة فيحكمون بالقانون الروماني ولا يحكمون بشرائع ذلك الدين .. ولا يستوي الدينان في أثرهما على الواقع، ولا في قدرتهما على تجميع الناس في صورة "أمة" موحدة:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [سورة الزمر 39/ 29]

والسبب الثاني أن العقيدة حين وصلت للامبراطورية الرومانية – أو حين فرضها عليه ا الإمبراطور قسطنطين – لم تكن على صورة واحدة، فقد كانت قد نقسمت إلى مذاهب ومعتقدات شتي- لا في الفروع كما هو شان المذاهب الإسلامية – إنما في أصل الاعتقاد، بحيث لا يمكن أن يلتقي أصحاب مذهب ومذهب على شئ، فالدين قد انحصر في العقيدة، والعقيدة أصبحت عقائد مختلفة متعارضة متعادية .. ويكفي نموذج واحد من هذا التعارض والعداء ـ، وهو ما كان بين الدولة الرومانية وأقباط مصر .. فقد كانوا كلهم " مسيحيين " ولكن الخلاف بين مذهب الدولة الكاثوليكي ومذهب الاقباط الأرثوذكسي كان من السعة وعدم الالتقاء بحيث كان الاقباط يسامون الخسف والعذاب من أجل عقيدتهم، حتى ليستخفون بها عن أعين الدولة، ويقام في الكنيسة الواحدة عبادتان مختلفتان، إحداهما علوية ظاهرة والأخرى سفلية سرية، كما كان الحال في كنيسة " مار " " جرجس " حيث كانت تقام صلاة علنية على مذهب الدولة في أورقة الكنيسة العلوية الظاهرة وصلاة أخرى سرية في سراديب تختية خفية ت يختفي فيها الأقباط عن عيون الدولة الرومانية التي تتعقبهم بالعذاب والإرهاب .. وشأن هذا الخلاف ان يمزق ويفرق لا أن يجمع الصفوف ويوحد البناء

وصحيح أن أوربا في مجموعها كانت كاثوليكية لعدة قرون ـ، وكان اتحادها في المذهب عاملا من عومل تجمعها، ـ كما سنبين بعد، ولكن حجم هذا التجمع وتأثيره

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢٠٩