أجعل هذه البنية (الكعبة) مني بظهر (وراء ظهري) فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي شك من ذلك، فماذا ترى يا رسول الله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها)، ثم أمره أن يصلي ناحية بيت المقدس، فاستجاب البراء لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم. [أحمد].
ثم عاد البراء إلى المدينة، وهناك مرض مرض الموت، فقال لأهله قبل أن يموت: استقبلوا بي ناحية الكعبة، فلما فارق الحياة وضعوه نحو الكعبة، فكان بذلك أول من استقبل الكعبة بوجهه حيًّا وميتًا حتى جاء أمر الله بتغيير القبلة إلى الكعبة.
ومات البراء بن معرور -رضي الله عنه- في شهر صفر قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بشهر، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتى قبره ومعه أصحابه فكبر وصلى عليه.
==============
خطيب الأنصار ثابت بن قيس
إنه ثابت بن قيس -رضي الله عنه-، خطيب الأنصار، وخطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم:. فعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، قام ثابت خطيبًا، وقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: (الجنة). قالوا: رضينا. [الحاكم].
ولما قدم وفد تميم، وافتخر خطيبهم بأمور، قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت: (قم، فأجب خطيبهم) فقام، فحمد الله وأبلغ، وسرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بمقامه. [ابن هشام].
وكان ثابت جهوري الصوت، فلما نزل قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: 2]. جلس في بيته يبكي، وقال: أنا من أهل النار، فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل من يأتيه بخبره، فذهب إليه رجل وعلم منه الأمر، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: (اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة) _[متفق عليه].
ولما نزل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ [لقمان: 88] أغلق ثابت داره على نفسه وجلس يبكي، وغاب عن النبي صلى الله عليه وسلم مدة، فعلم (بأمره فدعاه إليه وسأله، فقال ثابت: يا رسول الله إني أحب الثوب الجميل والنعل الجميل، وقد خشيت أن أكون بهذا من المختالين، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا ثابت، أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة) [الحاكم].
وفي معركة اليمامة، كان ثابت يلبس ثوبين أبيضين، وعندما رأى المسلمين قد تأثروا بهجوم جيش مسيلمة، صاح فيهم قائلاً: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:، بئس ما عودتم أقرانكم، وبئس ما عودتم أنفسكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء (المشركين)، وأعتذر من صنيع هؤلاء (المسلمين)، ثم أخذ يقاتل هو وسالم مولى أبي حذيفة حتى قتل. [البخاري].