وقبل أن يستشهد عكرمة ضرب أروع مثل في الإيثار، فقد كان بجواره الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فجيء إليه بماء فنظر إليه عكرمة، فقال هشام: ادفعه (أعطه) إلى عكرمة، فلما أخذه عكرمة نظر إليه سهيل، فقال عكرمة: ادفعه إلى سهيل، فلما وصل الماء إلى سهيل كان قد مات، ثم تبعه عكرمة والحارث، واستشهدوا جميعًا وقد آثر كل واحد منهم الآخر بشربة الماء -رضي الله عنهم أجمعين-.
==============
نماذج ممن حولوا فشلهم نجاحاً
الشيخ عبدالحميد البلالي
تناولنا في الحلقة السابقة الخطوة السادسة من خطوات تنشيط القوة الداخلية، وهي (التماس النجاح من الفشل). ونكمل هذه الخطوة بذكر نماذج من الرعيل الأول وغيرهم ممن استفادوا من فشلهم وأخطائهم وحولوها إلى نجاح.
عكرمة بن أبي جهل
إنه نموذج فريد من نماذج الناجحين الذين استطاعوا تنشيط القوة الداخلية بالاستفادة من أخطائهم وفشلهم وتحويل ذلك إلى نجاح باهر، إنه ابن فرعون هذه الأمة .. أبو جهل الذي كان أعدى أعداء الرسول {، وقد ناصب ابنه عكرمة العداء للنبي انسياقاً لعداوة أبيه، واشتدت هذه العداوة بعد مقتل أبيه في معركة بدر، ولشدة عداوته، وشدة تنكيله بأصحاب النبي {وشدة كراهيته للإسلام، أهدر النبي {دمه عند دخول مكة حتى ولو تعلق بأستار الكعبة، مما جعله يهرب للبحر خوفاً على نفسه، ولكن زوجته التي أسلمت أمنته بعد أن أخذت عهداً من النبي بعدم قتله، فجاء للنبي وقد فتح الله عليه وأدخل الهداية في قلبه يريد الإسلام، وبعد دخوله الإسلام قال للنبي {: "إني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك أو غيبتك"، فدعا له الرسول {بالمغفرة.
لحظة الاستفادة من الخطأ:
في هذه اللحظة كان عكرمة يتذكر الأخطاء المتراكمة التي اقترفها في حق نفسه أولاً ثم في حق نبي الأمة {، وحق الأبرياء من الصحابة الكرام، وكان يتذكر طريق الفشل الذي كان يسلكه والذي كان حتماً سيوصله إلى خسارة الدنيا والآخرة لو استمر عليه. فكانت البادرة الأولى أنه قال للنبي {بعد دخوله الإسلام .. "أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً قاتلته صداً عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله".
من نجاح إلى نجاح:
هكذا أخذ العهد على نفسه، وهكذا حول الخطأ إلى صواب، والفشل إلى نجاح، فقد شارك في حرب مسيلمة، وأرسله أبوبكر الصديق لقتال المرتدين في عمان ومهرة اليمن، وفي يوم اليرموك كان على قيادة مجنبة القلب، ولما اشتد الكرب على المسلمين، نزل عن جواده وكسر غمد سيفه، وأوغل في صفوف المشركين، فتوجه إليه خالد بن الوليد وقال له: لا تفعل يا عكرمة فإن قتلك سيكون شديداً على المسلمين